ابن ميثم البحراني
144
شرح نهج البلاغة
إلى عظيم ثواب الآخرة وتنغيصها بالآلام ونحوها حتّى قال بعض الحكماء : إنّ كلّ لذّة في الدنيا فإنّما هي خلاص من ألم . وقوله : وهل خلقتم . إلى قوله : عن ذكرهم . سؤال على سبيل التقرير لما ذكر أيضا ، واستعار لفظ الحثالة لرعاع الناس وهمجهم . وقوله : لا تلتقي بذمّهم الشفتان . أي إنّهم أحقر من أن يشتغل الإنسان بذمّهم . وانتصب استصغارا وذهابا على المفعول له ، وحسن اقتباس القرآن هاهنا لما أنّ هذه الحال الَّتي الناس عليها من فقد خيارهم وبقاء شرارهم مصيبة لحقتهم ، ومن آداب اللَّه للصابرين على نزول المصائب أن يسلَّموا أنفسهم وأحوالهم إليه فيقولوا عندها : إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون كما قال سبحانه « وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » الآية . ثمّ حكم على سبيل التوجّع والأسف بظهور الفساد وبنفي المنكر المغيّر للفساد المزدجر عنه تنبيها لهم على أنّهم وإن كان فيهم من ينكر ويزجر إلَّا أنّه لا يغيّر ما ينكره ولا يزدجر عن مثله ، وذلك من قبايح الأعمال والرياء فيها . وقوله : أفبهذا . أي بأعمالكم هذه المدخولة وبتقصيركم . ومجاورة اللَّه : الوصول إليه والمقام معه في جنّته الَّتي هي مقام الطهارة عن نجاسات الهيئات البدنيّة ومقام تنزيه ذات اللَّه تعالى وطهارتها عن اتّخاذ الشركاء والأنداد ، وهو استفهام على سبيل الإنكار ولذلك عقبّه بقوله : هيهات . إلى آخره ، ولمّا كان ذلك يجرى مجرى الزهد الظاهر مع النفاق في الباطن أعني أعمالهم المدخولة من إنكار المنكر وارتكابهم نبّههم على أنّ فعلهم كخداع اللَّه عن جنّته ، وصرّح بأنّ اللَّه لا يخدع لعلمه بالسرائر وأنّه لا تنال مرضاته إلَّا بطاعته : أي الطاعة الحقيقيّة الخالصة دون الظاهرة . ثمّ ختم بلعن الآمرين بالمعروف مع تركهم للعمل به ، والناهين عن المنكر المرتكبين له لأنّهم منافقون مغرون بذلك لمن يقتدى بهم والنفاق مستلزم اللعن والبعد عن رحمة اللَّه . وباللَّه التوفيق .