ابن ميثم البحراني
140
شرح نهج البلاغة
كأنّي به وقد نعق بالشام . ووجه ذلك أنّ مشاهدته بعين بصيرته لمّا أفيض على نفسه القدسيّة من أنوار الغيب على سبيل الإلهام بواسطة الأستاذ المرشد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تشبّه المشاهدة بعين البصر في الجلاء والظهور الخالي عن الشكّ فلذلك حسن حرف التشبيه صدرا ، وضماير الجمع في الفصل تعود إلى الأتراك ، وشبّه وجوههم بالتروس المطبقة ، ووجه الشبه في تشبيهها بالتروس الاستدارة والعظم والانبساط ، وفي كونها مطرقة الخشونة والغلظة وهو تشبيه للمحسوس بالمحسوس ، وأمّا وصفه لهم بمراعاة لبس السرق والديباج ، واعتقاب الخيل فاعتبار أحوال الترك تشهد بصدقه ، وأمّا إخباره عن استحرار القتل إلى الغاية المذكورة حين ظهورهم فممّا يشهد بصدقه التواريخ بالوقايع المشهورة بينهم وبين العرب وغيرهم من المسلمين في أيّام عبد اللَّه بن الزبير ، وفي أيّام قتيبة بن مسلم ، ويكفى في صدق ذلك إلى الغاية المذكورة ما شهدناه من وقايع التتار مع المسلمين وقتلهم إيّاهم بالعراقين وخراسان وغيرها من البلاد فأمّا جوابه عليه السّلام للكلبيّ إنّ ذلك ليس بعلم غيب ، وإنّما هو تعلَّم من ذي علم ، وتعديده للمعلومات بعلم الغيب الَّذي لا يعلمها إلَّا اللَّه سبحانه فحقّ وصدق ، وقد نبّهنا على الفرق بين علم الغيب والإخبار عن المغيبات في المقدّمات لكن ينبغي أن يعلم أنّ التعلَّم الحاصل له من قبل الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ليس على سبيل أنّ كلّ ما القى إليه صور جزئيّة ووقايع جزئيّة بل معناه هو إعداد نفسه القدسيّة على طول الصحبة من حيث كان طفلا إلى أن توفّى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لهذه العلوم بالرياضة التامّة ، وتعليم كيفيّة السلوك وأسباب تطويع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة حتّى استعدّت نفسه الشريفة للانتقاش بالأمور الغيبيّة ، وانتقشت فيها الصور الكلَّيّة فأمكنه الإخبار عنها وبها ، ولذلك قال : ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطمّ عليه جوانحي : أي يضبطه قلبي ويشتمل عليه ، وكنّى بالجوانح عن القلب لاشتمالها عليه ولو كانت تلك العلوم صورا جزئيّة لم يحتج إلى مثل هذا الدعاء فإنّ فهم الصور الجزئيّة وضبطها والإخبار عنها ممكن لكلّ الصحابة من العوامّ وغيرهم ، وإنّما الصعب المحتاج إلى الدعاء بأن يعيه الصدر ويستعدّ الأذهان لقبوله