الآلوسي
95
تفسير الآلوسي
للكفرة . وقيل : لجميع الناس . وقيل : للمؤمنين . والظاهر الأول والالتفات لما في مواجهتهم بضعف حالهم من التبكيت ما لا يخفى . وقيل : ليتضح مرجع الضميرين ولا يشتبه من أول الأمر ، وهي نكتة في الالتفات لم يعرج عليها أهل المعاني . * ( وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ ) * أي المطر كما روي عن هارون التيمي ، ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً . وقيل : السحاب واستعمالها في ذلك مجاز مرسل . وقيل : هي على حقيقتها بمعنى المظلة والمجاز في إسناد الإرسال إليها لأن المرسل ماء المطر وهي مبدأ له ، وفيه من المبالغة ما لا يخفى . " والإرسال والإنزال - كما في " البحر " - متقاربان في المعنى لأن اشتقاقه من رسل اللبن وهو ما ينزل من الضرع متتابعاً " * ( عَلَيهمْ مِّدْرَاراً ) * أي غزيراً كثير الصب ، وهو صيغة مبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وهو حال من السماء والظرف متعلق بأرسلنا * ( وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ ) * أي صيرناها * ( تَجْري مِنْ تَحْتهمْ ) * أي من تحت مساكنهم . والمراد أنهم عاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار . والجملة في موضع المفعول الثاني لجعلنا . ولم يقل سبحانه : أجرينا الأنهار كما قال عز شأنه : * ( أرسلنا السماء ) * للإيذان بكونها مسخرة مستمرة الجريان لا لأن النهر لا يكون إلا جارياً فلا يفيد الكلام لأن النظم حينئذ ناظر إلى كونها من تحتهم فالفائدة ظاهرة ، ولو كان ما ذكر صحيحاً لما ورد في النظم الكريم كقوله تعالى : * ( تجري من تحتها الأنهار ) * ( المائدة : 119 ) واستظهر كون الجعل بمعنى الإنشاء والإيجاد وهو مخصوص به تعالى فلذا غير الأسلوب ، وعليه فالجملة في موضع الحال من المفعول . وليس المراد - على ما قيل - بتعداد هاتيك النعم العظام الفائضة عليهم بعد ذكر تمكينهم بيان عظم جنايتهم في كفرانها واستحقاقهم بذلك لأعظم العقوبات بل بيان حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادئ الأمن من المكاره والمعاطب وعدم إغناء ذلك عنهم شيئاً . وينبئ عن عدم الإغناء عند جمهور المفسرين . قوله تعالى : * ( فَأَهْلَكْنَاهُمْ بذُنُوبهمْ ) * والفاء للتعقيب وقيل : فصيحة والمراد فكفروا فأهلكناهم ورجح الأول ، والباء للسببية أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب كتكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام * ( وَأَنْشَأَنَا ) * أي أوجدنا * ( منْ بَعدهمْ ) * أي بعد إهلاكهم بسبب ذلك * ( قَرْناً آخَرينَ ) * بدلاً من الهالكين . وهذا بيان لأنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخلي بلاده منهم فإنه جل جلاله قادر على أن ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم البلاد فهو كالتتميم لما قبله نحو قوله تعالى : * ( ولا يخاف عقباها ) * ( الشمس : 15 ) وفيه إشارة إلى أنهم قلعوا من أصلهم ولم يبق أحد من نسلهم لجعلهم آخرين وكونهم من بعدهم . * ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) * . * ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتَاباً في قرْطَاس ) * استئناف سيق بطريق تلوين الخطاب لبيان شدة شكيمتهم في المكابرة وما يتفرع عليها من الأقاويل الباطلة إثر بيان ما هم فيه من غير ذلك . وعن الكلبي وغيره أنها نزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى وأنك رسوله ، والكتاب المكتوب ، والجار بعده متعلق بمحذوف وقع صفة له أو متعلق به ، وقيل : إن جعل اسماً كالإمام فالجار في موضع الصفة له ، وإن جعل مصدراً بمعنى المكتوب فهو متعلق به .