الآلوسي

72

تفسير الآلوسي

والمطابقة لما يقتضيه السوق باعتبار تقرره ووقوع بعض جزئياته في الآخرة ، والمستمر هو الأمر الكلي الذي هو الاتصاف بالصدق ، ولا يلزم من هذا محذور مدخلية الصدق الأخروي في الجزاء ، ولا يحتاج إلى جعل الصدق الأخروي شرطاً في نفع الصدق الدنيوي والمجازاة عليه ، ولعل فيما تقدم غنى عن هذا كما لا يخفى على الناظر ، وقيل : المراد من الصادقين النبيون ومن صدقهم صدقهم في الدنيا بالتبليغ ويكون مساق الآية للشهادة بصدقه عليه السلام في قوله : * ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) * ( المائدة : 117 ) وأنت تعلم أن هذا الغرض حاصل على تقدير التعميم وزيادة . وقيل : المراد من الصدق الصدق في الدنيا إلا أن المراد من الصادقين الأمم ، والكلام مسوق لرد عرض عيسى عليه السلام المغفرة عليه سبحانه وتعالى كأنه قيل : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لا غير فلا مغفرة لهؤلاء ، ولا يخفى أن التعميم لا ينافي كون الكلام مسوقاً لما ذكر على تقدير تسليم ذلك . واسم الإشارة مبتدأ و * ( يوم ) * بالرفع وهي قراءة الجمهور خبره . وقرأ نافع وحده * ( يوم ) * بالنصب على أنه ظرف لقال و * ( هذا ) * مبتدأ خبره محذوف أي كلام عيسى عليه السلام أو حق أو نحو ذلك أو ظرف مستقر وقع خبراً ؛ والمعنى هذا الذي مر من جواب عيسى عليه السلام أو السؤال والجواب واقع يوم ينفع ، وجوز أن يكون * ( هذا ) * مفعولاً به للقول لأنه بمعنى الكلام والقصص أو مفعولاً مطلقاً لأنه بمعنى القول ، وقيل : إن * ( هذا ) * مبتدأ و * ( يوم ) * خبره وهو مبني على الفتح بناءً على أن الظرف يبنى عليه إذا أضيف إلى جملة فعلية وإن كانت معربة وهو مذهب الكوفيين واختاره ابن مالك وغيره ، والبصريون لا يجيزون البناء إلا إذا صدرت الجملة المضاف إليها بفعل ماض كقوله : على حين عاتبت المشيب على الصبا وألحقوا بذلك الفعل المنفي ، ويخرجون هذه القراءة على أحد الأوجه السابقة . وقرأ الأعمش * ( يوم ) * بالرفع والتنوين على أنه خبر * ( هذا ) * والجملة بعده صفته بحذف العائد ، وقرأ * ( صدقهم ) * بالنصب على أن يكون فاعل * ( ينفع ) * ضمير الله تعالى ، و * ( صدقهم ) * كما قال أبو البقاء إما مفعول له أي لصدقهم أو منصوب بنزع الخافض أي بصدقهم أو مصدر مؤكد أو مفعول به على معنى يصدقون الصدق كقولك : صدقته القتال ، والمراد يحققون الصدق * ( لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْري منْ تَحْتهَا الأَنْهَارُ خَالدينَ فيهَا أَبَداً ) * تفسير للنفع ولذا لم يعطف عليه كأنه قيل : ما لهم من النفع ؟ فقيل : لهم نعيم دائم وثواب خالد ، وقوله سبحانه : * ( رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ) * بيان لكونه تعالى أفاض عليهم غير ما ذكر وهو رضوانه عز وجل الذي لا غاية وراءه كما ينبئ عن ذلك قوله سبحانه : * ( وَرَضُوا عَنْهُ ) * إذ لا شيء أعز منه حتى تمد إليه أعناق الآمال * ( ذَلكَ ) * إشارة إلى نيل رضوانه جل شأنه كما اختاره بعض المحققين أو إلى جميع ما تقدم كما اختاره في " البحر " وإليه يشير ما روي عن الحسن * ( الْفَوْزُ الْعَظيم ) * الذي لا يحيط به نطاق الوصف ولا يوقف على مطلب يدانيه أصلاً . * ( للَّهِ مُلْكُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ ) * . * ( لله مُلْكُ السَّمَاوَات وَالأَرْض وَمَا فيهنَّ ) * تحقيق للحق وتنبيه بما فيه من تقديم الظرف المفيد للحصر على كذب النصارى وفساد ما زعموه في حق المسيح وأمه عليهما السلام . وقيل : استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه قيل : من يملك ذلك ليعطيهم إياه ؟ فقيل : * ( لله