الآلوسي
35
تفسير الآلوسي
لزيارة كعبة الوصول * ( بشيء من الصيد ) * أي الحظوظ والمقاصد النفسانية * ( تناله أيديكم ورماحكم ) * أي يتيسر لكم ويتهيأ ما يتوصل به إليه . وقيل : ما تناله الأيدي اللذات البدنية وما تناله الرماح اللذات الخيالية * ( ليعلم الله ) * العلم الذي ترتب عليه الجزاء * ( من يخافه بالغيب ) * أي في حال الغيبة ولا يكون ذلك إلا للمؤمنين بالغيب لتعلقه بالعقاب الذي هو من باب الأفعال ، وأما في الحضور فالخشية والهيبة دون الخوف ، والأولى بتجلي صفات الربوبية والعظمة ، والثانية بتجلي الذات ، فالخوف كما قيل من صفات النفس والخشية من صفات القلب ، والهيبة من صفات الروح * ( فمن اعتدى بعد ذلك ) * بتناول شيء من الحظوظ * ( فله عذاب أليم ) * ( المائدة : 94 ) وهو عذاب الاحتجاب * ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) * أي في حال الإحرام الحقيقي * ( ومن قتله منكم متعمداً ) * بأن ارتكب شيئاً من الحظوظ النفسانية قصداً * ( فجزاء مثل ما قتل ) * بأن يقهر تلك القوة التي ارتكب بها من قوى النفس البهيمية بأمر يماثل ذلك الحظ * ( يحكم به ذوا عدل منكم ) * وهما القوتان النظرية والعملية * ( هدياً بالغ الكعبة ) * الحقيقية وذلك بإفنائها في الله عز وجل * ( أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ) * ( المائدة : 95 ) أي أو يستر تلك القوة بصدقة أو صيام * ( أحل لكم صيد البحر ) * وهو ما في العالم الروحاني من المعارف * ( وطعامه ) * وهو العلم النافع من علم المعاملات والأخلاق * ( متاعاً ) * أي تمتيعاً لكم أيها السالكون بطريق الحق * ( وللسيارة ) * المسافرين سفر الآخرة ، * ( وحرم عليكم صيد البر ) * وهو في العالم الجسماني من المحسوسات والحظوظ النفسانية * ( واتقوا الله ) * في سيركم * ( الذي إليه تحشرون ) * ( المائدة : 96 ) بالفناء فاجتهدوا في السلوك ولا تقفوا مع الموانع وهو الله تعالى الميسر للرشاد وإليه المرجع والمعاد . * ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ والشَّهْرَ الْحَرَامَ والْهَدْىَ والْقَلَائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيمٌ ) * . * ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ ) * أي صيرها ، وسميت كعبة على ما روي عن عكرمة ومجاهد لأنها مربعة والتكعيب التربيع ، وتطلق لغة على كل بيت مربع ، وقد يقال : التكعب للارتفاع ، قيل : ومنه سميت الكعبة كعبة لكونها مرتفعة ، ومن ذلك كعب الإنسان لارتفاعه ونتوه ، وكعبت المرأة إذا نتأ ثديها ، وقيل : سميت كعبة لانفرادها من البناء ورده الكرماني إلى ما قبله لأن المنفرد من البناء نأت من الأرض . وقوله تعالى : * ( الْبَيْتَ الْحَرَامَ ) * عطف بيان على جهة المدح لأنه عرف بالتعظيم عندهم فصار في معنى المعظم أو لأنه وصف بالحرام المشعر بحرمته وعظمته ، وذكر البيت كالتوطئة له فالاعتراض بالجمود من الجمود دون التوضيح ، وقيل : جئ به للتبيين لأنه كان لخثعم بيت يسمونه بالكعبة اليمانية . وجوز أن يكون بدلاً وأن يكون مفعولاً ثانياً لجعل . وقوله سبحانه : * ( قيَاماً لِّلنَّاس ) * نصب على الحال ويرده عطف ما بعده على المفعول الأول كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى بل هذا هو المفعول الثاني . وقيل : * ( جعل ) * بمعنى خلق فتعدى لواحد وهذا حال ، ومعنى كونه قياماً لهم أنه سبب إصلاح أمورهم وجبرها ديناً ودنيا حيث كان مأمناً لهم وملجأ ومجمعاً لتجارتهم يأتون إليه من كل فج عميق ولهذا قال سعيد بن جبير : من أتى هذا البيت يريد شيئاً للدنيا والآخرة أصابه ، ومن ذلك أخذ بعضهم أن التجارة في الحج ليست مكروهة . وروي هذا عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض