الآلوسي

253

تفسير الآلوسي

وفسر بعضهم ما بالسيئات المزينة لهم وقال : إن هذا وعيد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده : سأخبرك بما فعلت . * ( وَأَقْسَمُواْ باللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآْيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَب إِذَا جاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) * . * ( وَأَقْسَمُوا ) * أي المشركون * ( بالله جَهْدَ أَيْمَانهمْ ) * أي جاهدين فيها . فجهد مصدر في موضع الحال . وجوز أن يكون منصوباً بنزع الخافض أي أقسموا بجهد أيمانهم أي أوكدها . وهو بفتح الجيم وضمها في الأصل بمعنى الطاقة والمشقة ، وقيل : بالفتح المشقة وبالضم الوسع ، وقيل : ما يجهد الإنسان ، والمعنى هنا على ما قال الراغب " أنهم حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم " . * ( لَئنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ ) * من مقترحاتهم أو من جنس الآيات . ورجحه بعض المحققين بأنه الأنسب بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرهم في العتو والفساد حيث كانوا لا يعدون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرة من جنس الآيات فاقترحوا غيرها * ( لَّيُؤْمنُنَّ بهَا ) * وما كان مرمى غرضهم إلا التحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب المعجزة وعدم الاعتداد بما شاهدوا منه عليه الصلاة والسلام من البينات . والباء صلة الإيمان ، والمراد من الإيمان بها التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم . وجعلها للسببية على معنى ليؤمنن بك بسببها خلاف الظاهر . * ( قُلْ إنَّمَا الآيَاتُ ) * أي كلها فيدخل ما اقترحوه فيها دخولاً أولياً * ( عنْدَ اللَّهَ ) * أي أمرها في حكمه وقضائه خاصة يتصرف فيها حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة لا تتعلق بها قدرة أحد ولا مشيئته استقلالاً ولا اشتراكاً بوجه من الوجوه حتى يمكنني أن أتصدى لإنزالها بالاستدعاء ؛ وهذا كما ترى سد لباب الاقتراح . وقيل : إن المعنى إنما الآيات عند الله لا عندي فكيف أجيبكم إليها أو آتيكم بها أو المعنى هو القادر عليها لا أنا حتى آتيكم بها . واعترض ذلك شيخ الإسلام بعد أن اختار ما قدمناه بأنه لا مناسبة له بالمقام كيف لا وليس مقترحهم مجيئها بغير قدرة الله تعالى فتدبر . روي أن قريشاً اقترحوا بعض آيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني فقالوا : نعم وأقسموا لئن فعلته لنؤمنن جميعاً فسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها طمعاً في إيمانهم فَهَمَّ عليه الصلاة والسلام بالدعاء فنزلت . وأخرج ابن جرير عن محمد القرظي قال : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقالوا : يا محمد تخبرنا أن موسى عليه السلام كان معه عصاً يضرب بها الحجر وأن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى وأن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي شيء تحبون أن آتيكم به ؟ قالوا : تحول لنا الصفا ذهباً قال : فإن فعلت تصدقوني ؟ قالوا : نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين فقام رسول الله عليه الصلاة والسلام يدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال إن شئت أصبح الصفا ذهباً فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم فقال صلى الله عليه وسلم أتركهم حتى يتوب تائبهم فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى * ( يجهلون ) * ( الأنعام : 111 ) . * ( وَمَا يُشْعرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمنُونَ ) * كلام مستأنف غير داخل تحت الأمر مسوق من جهته تعالى لبيان الحكمة فيما أشعر به الجواب السابق من عدم مجيء الآيات خوطب به المؤمنون - كما قال الفراء وغيرهم - إما خاصة بطريق التلوين لما كانوا راغبين في نزولها طمعاً في إسلامهم ، وإما معه عليه الصلاة والسلام