الآلوسي
215
تفسير الآلوسي
وجعله بعضهم عطفاً على * ( نوحاً ) * ( الأنعام : 84 ) ، و ( من ) واقعة موقع المفعول به مؤولاً ببعض . واعتبار البعضية لما أن منهم من لم يكن نبياً ولا مهدياً قيل . وهذا في غير الآباء لأن آباء الأنبياء كلهم مهديون موحدون ، وأنت تعلم أن هذا مختلف فيه نظراً إلى آباء نبينا صلى الله عليه وسلم وكثير من الناس من وراء المنع فما ظنك بآباء غيره من الأنبياء عليهم السلام . ولا يخفى أن إضافة الآباء والأبناء والأخوان إلى ضميرهم لا يقتضي أن يكون لكل منهم أب أو ابن أو أخ فلا تغفل . * ( وَاجْتَبَيْنَاهُمْ ) * عطف على * ( فضلنا ) * ( الأنعام : 86 ) أي اصطفيناهم * ( وَهَدَيْنَاهُمْ إلَى صَرَاط مُّستَقيم ) * تكرير للتأكيد وتمهيد لبيان ما هدوا إليه ولم يظهر لي السر في ذكر هؤلاء الأنبياء العظام عليهم من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل السلام على هذا الأسلوب المشتمل على تقديم فاضل على أفضل ومتأخر بالزمان على متقدم به وكذا السر في التقرير أولاً بقوله تعالى : * ( وكذلك نجزي ) * ( الأنعام : 84 ) الخ وثانياً بقوله سبحانه : * ( كل من الصالحين ) * ( الأنعام : 85 ) والله تعالى أعلم بأسرار كلامه . * ( ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * . * ( ذلكَ ) * أي الهدى إلى الطريق المستقيم أو ما يفهم من النظم الكريم من مصادر الأفعال المذكورة أو ما دانوا به ، وما في ذلك من معنى البعد لما مر مراراً * ( هُدَى اللَّهَ ) * الإضافة للتشريف * ( يَهْدي به مَنْ يَشَاءُ ) * هدايته * ( منْ عباده ) * وهم المستعدون لذلك ، وفي تعليق الهداية بالموصول إشارة إلى علية مضمون الصلة ويفيد ذلك أنه تعالى متفضل بالهداية * ( وَلَوْ أَشْرَكُوا ) * أي أولئك المذكورون * ( لَحَبَطَ ) * أي لبطل وسقط * ( عَنْهُمْ ) * مع فضلهم وعلو شأنهم * ( مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) * أي ثواب أعمالهم الصالحة فكيف بمن عداهم وهم هم وأعمالهم أعمالهم . * ( أُوْلئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَاب والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ) * . * ( أَولَئكَ ) * إشارة إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة كما قيل . واقتصر الإمام على المذكورين من الأنبياء ، وعن ابن بشير قال : سمعت رجلاً سأل الحسن عن أولئك فقال له : من في صدر الآية وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه : * ( الَّذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكتَابَ ) * أي جنسه . والمراد بإيتائه التفهيم التام لما فيه من الحقائق والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق أعم من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداء وبالإيراث بقاء فإن ممن ذكر من لم ينزل عليه كتاب معين . * ( وَالْحُكْمَ ) * أي فصل الأمر بين الناس بالحق أو الحكمة وهي معرفة حقائق الأشياء * ( وَالنُّبُوَّةَ ) * فسرها بعضهم بالرسالة وعلل بأن المذكورين هنا رسل لكن في " المحاكمات " لمولانا أحمد بن حيدر الصفوي أن داود عليه السلام ليس برسول وإن كان له كتاب ولم أجد في ذلك نصاً . وذهب بعضهم إلى أن يوسف بن يعقوب عليه السلام ليس برسول أيضاً . ويوسف في قوله تعالى : * ( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ) * ( غافر : 34 ) ليس هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام وإنما هو يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وهو غريب . وأغرب منه القول بأنه كان من الجن رسولاً إليهم . وقال الشهاب : قد يقال إنما ذكر الأعم في النظم الكريم لأن بعض من دخل في عموم آبائهم وذرياتهم ليسوا برسل . * ( فَإن يَكْفُرْ بهَا ) * أي بهذه الثلاثة أو بالنبوة الجامعة للباقين * ( هَؤُلاَء ) * أي أهل مكة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة مع دلالة الإشارة والمقام على ما قيل . وقيل : المراد بهم الكفار الذين جحدوا بنبوته صلى الله