الآلوسي
188
تفسير الآلوسي
الإشارة ويكون * ( الذين ) * نعتاً له أو بدلاً منه . وأن تكون خبراً ثانياً . واختار كما يشير إليه كلامه أن تكون الإشارة إلى النفوس المدلول عليها بنفس وجعلت الجملة لبيان تبعة الإبسال . واختار كثير من المحققين ما أشرنا إليه . وترتيب ما ذكر من العذابين على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضاً حسبما ينطق به قوله سبحانه : * ( بما كسبوا ) * لأنه العمدة في إيجاب العذاب والأهم في باب التحذير أو أريد - كما قيل - بكفرهم ما هو أعم منه ومن مستتبعاته من المعاصي . * ( قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) * . * ( قُلْ أَنَدْعُوا من دُون اللَّهَ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ) * أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي أن المشركين قالوا للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى : * ( قل ) * الخ . وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأصنام . وفي توجيه الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تعظيم شأن المؤمنين أو أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي أنعبد متجاوزين عبادة الله تعالى الجامع لجميع صفات الألوهية التي من جملتها القدرة على النفع والضر ما لا يقدر على نفعنا أن عبدناه ولا على ضرنا إذا تركناه ، وأدنى مراتب المعبودية القدرة على ذلك . وفاعل * ( ندعوا ) * وكذا ما عطف عليه من قوله سبحانه : * ( وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابنَا ) * عام لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ولغيره وليس مخصوصاً بالصديق رضي الله تعالى عنه بناء على أنه سبب النزول . وفي الآية تغليب إذ لا يتصور الرد على العقب المراد به الرجوع إلى الشرك منه صلى الله عليه وسلم . والمعنى أيليق بنا معشر المسلمين ذلك . والأعقاب جمع عقب وهو مؤخر الرجل يقال : رجع على عقبه إذا أنثى راجعاً . ويكنى به - كما قيل - عن الذهاب من غير رؤية موضع القدم وهو ذهاب بلا علم بخلاف الذهاب مع الإقبال ؛ وقيل : الرد على الأعقاب بمعنى الرجوع إلى الضلال والجهل ، شركاً أو غيره . والجمهور على الأول . والتعبير عن الرجوع إلى الشرك بالرد على الأعقاب - كما قال شيخ الإسلام - لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في القبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر . وإيثار * ( نرد ) * على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد برد الغير تصريحاً بمخالفة المضلين وقطعاً لأطماعهم الفارغة وإيذاناً بأن الارتداد من غير راد ليس في حيز الاحتمال ليحتاج إلى نفيه وإنكاره . * ( بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللَّهُ ) * أي إلى التوحيد والإسلام أو إلى سائر ما يترتب عليه الفوز في الآخرة على ما قيل . والظرف متعلق بنرد مسوق لتأكيد النكير لا لتحقيق معنى الرد وتصويره فقط وإلا لكفى أن يقال : بعد إذ اهتدينا كأنه قيل : أنرد إلى ذلك بإضلال المضل بعد إذ هدانا الله الذي لا هادي سواه . وليست الآية من باب التنازع فيما يظهر ولا أن جملة * ( نرد ) * في موضع الحال من ضمير * ( ندعو ) * أي ونحن نرد وجوزه أبو البقاء . وقوله سبحانه : * ( كَالَّذي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطينُ ) * نعت لمصدر محذوف أي أنرد رداً مثل رد الذي استهوته الخ . وقدر الطبرسي " أندعو دعاء مثل دعاء الذي " الخ وليس بشيء كما لا يخفى ، وقيل : إنه في موضع الحال من فاعل * ( نرد ) * أي أنرد على أعقابنا مشبهين بذلك . واعترضه صاحب " الفرائد " بأن حاصل الحالية أنرد في حال مشابهتنا كقولك : جاء زيد راكباً أي في حال ركوبه والرد ليس في حال المشابهة كما أن المجيء في حال الركوب . وأجاب عنه الطيبي بأن الحال مؤكدة كقوله سبحانه : * ( ثم ولَّيتم مدبرين ) * ( التوبة : 25 ) فلا يلزم ذلك ، ولا يخفى أنه في