الآلوسي
142
تفسير الآلوسي
ورواه عنه غير واحد * ( يَبْعثُهُمُ اللَّهُ ) * من قبورهم إلى المحشر ، وقيل : بعثهم هدايتهم إلى الايمان وليس بشيء * ( ثُمَّ إلَيْه يُرْجَعُونَ ) * للجزاء فحينئذ يسمعون ، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى سماعهم لما أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً ، وفي إطلاق الموتى على الكفار استعارة تبعية مبنية على تشبيه كفرهم وجهلهم بالموت كما قيل : لا يعجبن الجهول بزيه * فذاك ميت ثيابه كفن وقيل : الموتى على حقيقته ، والكلام تمثيل لاختصاصه تعالى بالقدرة على توفيق أولئك الكفار للإيمان باختصاصه سبحانه بالقدرة على بعث الموتى الذين رمت عظامهم من القبور ، وفيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يقدر على هدايتهم لأنها كبعث الموتى . وتعقب بأنه على هذا ليس لقوله سبحانه * ( ثم إليه يرجعون ) * كبير دخل في التمثيل إلا أن يراد أنه إشارة إلى ما يترتب على الايمان من الآثار ، وفي إعراب ( الموتى ) وجهان ، أحدهما : أنه مرفوع على الابتداء ، والثاني : أنه منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده واختاره أبو البقاء ، ويفهم من كلام مجاهد أنه مرفوع بالعطف على الموصول ، والجملة بعده في موضع الحال والظاهر خلافه . وقرئ * ( يرجعون ) * على البناء للفاعل من رجع رجوعاً . والمتواترة أوفى بحق المقام لإنبائها عن كون مرجعهم إليه تعالى بطريق الاضطرار . * ( وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) * . * ( وَقَالُوا ) * أي رؤساء قريش الذين بلغ بهم الجهل والضلال إلى حيث لم يقنعوا بما شاهدوه من الآيات التي تخر لها صم الجبال ولم يعتدوا به * ( لَوْلاَ ) * أي هلا * ( نُزِّلَ ) * أي أنزل * ( عَلَيْه آيَةٌ مِّنْ رَّبِّه ) * ملجئة للإيمان * ( قُلْ ) * يا محمد * ( إنَّ اللَّهَ قَادرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ لآيَةً ) * من الآيات الملجئة * ( وَلَكنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) * فلا يدرون أن عدم تنزيلها مع ظهور قدرته سبحانه وتعالى عليه لما أن في تنزيلها قلعاً لأساس التكليف المبني على قاعدة الاختيار أو استئصالاً لهم بالكلية إذ ذلك من لوازم جحد الآية الملجئة وجوز أن لا يكونوا قد طلبوا الملجئ ولا يلزم من عدم الاعتداد بالمشاهد طلبه بل يجوز أن يكونوا قد طلبوا غير الحاصل مما لا يلجئ لجاجاً وعناداً ، ويكون الجواب بالملجئ حينئذ من أسلوب الحكيم أو يكون جواباً بما يستلزم مطلوبهم بطريق أقوى وهو أبلغ . و ( من ) لابتداء الغاية . والجار والمجرور يجوز أن يكون متعلقاً بنزل ، وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لآية . وما يفيده التعرض لعنوان ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من الإشعار بالعلية إنما هو بطريق التعريض بالتهكم من جهتهم . والاقتصار في الجواب على بيان قدرته سبحانه وتعالى على التنزيل مع أنها ليست في حيز الإنكار للإيذان بأن عدم تنزيله تعالى للآية مع قدرته عليه بحكمة بالغة يجب معرفتها وهم عنها غافلون كما ينبئ عنه الاستدراك ، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة مع الإشعار بالعلية ، ومفعول * ( يعلمون ) * إما مطروح بالكلية على معنى أنهم ليسوا من أهل العلم أو محذوف مدلول عليه بقرينة المقام أي لا يعلمون شيئاً . وتخصيص عدم العلم بأكثرهم لما أن بعضهم واقفون على حقيقة الحال وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعناداً . وقرأ ابن كثير * ( ينزل ) * بالتخفيف ، والمعنى هنا - كما قيل - واحد لأنه لم ينظر إلى التدريج وعدمه . * ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَاب مِن شَئٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) * . وقوله تعالى : * ( وَمَا منْ دَابَّة في الأَرْض ) * كلام مستأنف مسوق - كما قال الطبرسي وغيره - لبيان كمال قدرته