الآلوسي
119
تفسير الآلوسي
المناسب للمقام ، وقيل : إن الكلام مع الكفار وليس فيهم من يبشر . وفي " الدر المصون " أن الكلام على حد * ( سرابيلَ تقيكم الحَرّ ) * ( النحل : 81 ) * ( وَمَنْ بَلَغَ ) * عطف على ضمير المخاطبين أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه القرآن ووصل إليه من الأسود والأحمر أو من الثقلين أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة . قال ابن جرير : من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم . وأخرج أبو نعيم وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلغه القرآن فكأنما شافهته " واستدل بالآية على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد بعد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها . واختلف في ذلك هو بطريق العبارة في الكل أو بالإجماع في غير الموجودين وفي غير المكلفين . فذهب الحنابلة إلى الأول والحنفية إلى الثاني وتحقيقه في الأصول . وعلى أن من لم يبلغه القرآن غير مؤاخذ بترك الأحكام الشرعية ، ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال : " أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم : هل دعيتم إلى الإسلام ؟ فقالوا : لا فخلى سبيلهم ثم قرأ * ( وأوحي إلى ) * الآية " وهو مبني على القول بالمفهوم كما ذهب إليه الشافعية ، واعترض بأنه لا دلالة للآية على ذلك بوجه من الوجوه لأن مفهومها انتفاء الإنذار بالقرآن عمن لم يبلغه وذلك ليس عين انتفاء المؤاخذة وهو ظاهر ولا مستلزماً له خصوصاً عند القائلين بالحسن والقبح العقليين إلا أن يلاحظ قوله تعالى : * ( وما كنا معذِّبين حتى نَبعَث رسولاً ) * ( الإسراء : 15 ) وفيه أن عدم استلزام انتفاء الإنذار بالقرآن لانتفاء المؤاخذة ممنوع ، والحسن والقبح العقليان قد طوي بساط ردهما ، وجوز أن يكون * ( من ) * عطفاً على الفاعل المستتر في ( أنذركم ) للفصل بالمفعول أي لأنذركم أنا بالقرآن وينذركم به من بلغه القرآن أيضاً ، وروى الطبرسي ما يقتضيه عن العياشي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما ولا يخفى أنه خلاف المنساق إلى الذهن . * ( أَئنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهَ ألهَةً أُخْرَى ) * جملة مستأنفة أو مندرجة في القول ، والاستفهام للتقرير أو للإنكار ، وقيل : لهما ، وفيه جمع بين المعاني المجازية و * ( أخرى ) * صفة لآلهة . وصفة جمع ما لا يعقل - كما قال أبو حيان - كصفة الواحدة المؤنثة نحو * ( مآربُ أخرى ) * ( طه : 18 ) * ( ولله ) * * ( الأسماء الحسنى ) * ( الأعراف : 180 ) ولما كانت الآلهة حجارة وخشباً مثلاً أجريت هذا المجرى تحقيراً لها * ( قُلْ ) * لهم * ( لاَّ أَشْهَدُ ) * بذلك وإن شهدتم به فإنه باطل صرف . * ( قُلْ ) * تكرير للأمر للتأكيد * ( إنَّمَا هُوَ إلَاهٌ وَاحدٌ ) * أي بل إنما أشهد أنه تعالى لا إله إلا هو . و ( ما ) كافة . وجوز أبو البقاء - وزعم أنه الأليق بما قبله - كونها موصولة ويبعده كونها موصولة وعليه يكون * ( واحد ) * خبراً وهو خلاف الظاهر . * ( وَإنَّني بَريءٌ مِّمَّا تُشْركُونَ ) * من الأصنام أو من إشراككم . * ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) * . * ( الَّذينَ أتَيْنَاهُمُ الْكتَابَ ) * جواب عما سبق في الرواية الأولى من قولهم : سألنا ( عنك ) اليهود والنصارى الخ أخر عن تعيين الشهيد مسارعة ( إلزامهم ب ) ( 1 ) إلى الجواب عن تحكمهم بقولهم : أرنا من يشهد لك فالمراد من الموصول ما يعم الصنفين اليهود والنصارى ومن الكتاب جنسه الصادق على التوراة والإنجيل ، وإيرادهم بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بمدار ما أسند إليهم بقوله تعالى : * ( يَعْرفُونَهُ ) * أي يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من جهة الكتابين ) ( 1 ) بحليته ونعوته المذكورة فيهما ، وفيه التفات . وقيل : الضمير للكتاب ، واختاره أبو البقاء . والأول هو الذي تؤيده الأخبار كما ستعرفه . * ( كَمَا يَعْرفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) *