ابن ميثم البحراني

87

شرح نهج البلاغة

التالي ، وتقديره لكنّكم أبيتم علىّ إباء من خالف الأمر وجفا المشير وعصاه حتّى شكّ في نصحه هل كان صوابا أو خطاء . وهذا الحكم حقّ فإنّ المشير بالرأي الصواب إذ أكثر مخالفوه فيه قد يتّهم نفسه في صحّة ذلك الرأي وصوابه لأنّ استخراج وجه المصلحة في الأمر أمر اجتهاديّ يغلب على الظنّ بكثرة الأمارات اللايحة للمشير فإذا جوّز المشير أن يكون خلاف ما رآه هو المصلحة فلا مانع إذن أن يعرض لغيره . أمارات أخرى يغلب على ظنّه أنّ ما رآه هو ليس بمصلحة فيعارض بها ما رآه الأوّل حقّا ويخالفه في رأيه فإذا كثرت تلك المخالفة من جمع عظيم جاز أن يتشكَّك الإنسان فيما ظنّه من المصلحة أنّه ليس بمصلحة وأنّ الأمارات الَّتي اقتضت ذلك الظنّ غير صحيحة فلذلك قال عليه السّلام : حتّى ارتاب الناصح بنصحه . وعنى بالناصح نفسه أو من رأى رأيه لإطباق أكثر أصحابه على مخالفتهم ، وقال بعض الشارحين : يحمل ذلك على المبالغة لأنّه عليه السّلام منزّه عن أن يشكّ فيما يراه صوابا بعد شوره به . وقوله : وضنّ الزند بقدحه . قيل : هو مثل يضرب لمن يبخل بفوائده إذا لم يجد لها قابلا عارفا بحقّها أو لم يتمكَّن من إفادتها فإنّ المشير إذا اتّهم واستغّش أو خطىء في رأيه ربما لا ينقدح له بعد ذلك رأى صالح لحكم الغضب عليه من جهة مخالفته وعدم قبول رأيه . ولمّا كان غرضه أن يقرّر عليهم الندامة في مخالفة رأيه ويريهم ثمرة عصيان أمره الصادر عن معاينة وجه المصلحة كما هو قال : فكنت وإيّاكم كما قال أخو هوازن : أمرتهم أمري . البيت ، وهو لدريد بن الصمة من قصيدة له في الحماسة أوّلها : نصحت لعارض وأصحاب عارض * ورهط بنى السوداء والقوم سهّد وقصّته في هذه القصيدة أنّ أخاه عبد اللَّه بن الصمة غزا بنى بكر بن هوازن بن غطفان فغنم منهم واستاق إبلهم فلمّا كان بمنعرج اللوى قال : لا واللَّه لا أبرح حتّى أنحر البقيعة وهي ما ينحر من النهب قبل القسمة ، وأحيل السهام . فقال له أخوه دريد : لا تفعل . فإنّ القوم في طلبك . فأبى عليه وأقام وأنحر البقيعة وبات فلمّا أصبح هجم القوم عليه وطعن عبد اللَّه بن صمة فاستغاث بأخيه دريد فنهاه عنه القوم حتّى طعن هو