ابن ميثم البحراني
85
شرح نهج البلاغة
واتّبع كلّ واحد منهما هواه وحكم بغير حجّة ولا بيّنة ماضية واختلفا فيما حكما فكلاهما لم يرشدا للَّه . فاستعدّوا للجهاد وتأهّبوا للمسير وأصبحوا في معسكر كم يوم كذا . وأمّا قصّة التحكيم وسببها فمذكور في التواريخ . والخطب : الأمر العظيم . وفدحه الأمر : إذا عاله وأبهظه . والجافي : خشن الطباع الَّذي ينبوا طبعه عن المؤانسة فيقاطع ويباين . فقوله : الحمد للَّه . إلى قوله : الجليل . قد عرفت نسبة الخير والشرّ إلى الدهر على أيّ وجه هي ، ومراده أحمد اللَّه على كلّ حال من السرّاء والضرّاء . وإن هنا للغاية . ويفهم من هذا الصدر وقوع الخطب الفادح وهو ما وقع من أمر الحكمين . وحمد اللَّه عليه . وقوله : ليس معه إله غيره . تأكيد لمعنى كلمة التوحيد وتقرير لمقتضاها . وقوله : أمّا بعد . إلى قوله : الندامة . القيود الأربعة الَّتي ذكرها من صفات المشير معتبرة في حسن الرأي ووجوب قبوله : أمّا كونه ناصحا فلأنّ الناصح يصدق الفكر ويمحض الرأي وغير الناصح ربّما يشير بفطير الرأي فيوقع في المضرّة ، وأمّا كونه شفيقا فلأنّ الشفقة تحمل على النصح فتحمل على حسن التروّي في الأمر وايقاع الرأي فيه من تثبّت واجتهاد . والباعث على هذين أعني النصح والشفقة إمّا الدين أو محبّة المستشير ، وأمّا كونه عالما ففائدته إصابته لعلمه وجه المصلحة في الأمر فإنّ الجاهل أعمى لا يبصر وجه المصلحة فيه . قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا ، وقال عبد اللَّه بن الحسن لابنه محمّد : احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العدوّ العاقل فإنّه كما يوشك أن يقع بك مكر العاقل كذلك يوشك أن يورّطك شور الجاهل ، وأمّا كونه مجرّبا فلأنّه لا يتمّ رأى العالم ما لم ينضمّ إليه التجربة . وذلك أنّ العالم وإن علم وجه المصلحة في الأمر إلَّا أنّ ذلك الأمر قد يشتمل على بعض وجوه المفاسد لا يطَّلع عليه إلَّا بالتجربة مرّة ومرّة فالمشورة من دون تجربة مظنّة الخطاء ، وقيل