ابن ميثم البحراني

81

شرح نهج البلاغة

عسلا وماء وهذا الرجل قد انفرج عن قومه ومكانه فلم يعد إليه فضرب به المثل في المباينة والمفارقة . الثالث : قال بعضهم : معناه أنّ الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض كان ذلك بعيد الالتيام والعود إلى الصحّة . الرابع : قال بعضهم : معناه انفرجتم عنّى رأسا أي بالكلَّيّة . الخامس : قيل معناه : انفراج من يريد أن ينجو برأسه . السادس : قيل معناه : انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع فإنّه يكون في غاية من الشدّة وتفرّق الاتّصال والانفراج . ونحوه قوله عليه السّلام في موضع آخر : انفراج المرأة عن قبلها ، وعلى كلّ تقدير فمقصوده شدّة انفصالهم وتفرّقهم عنه لهم أحوج ما يكون إليهم ، واستحرار الموت يحتمل أن يراد به شدّته الشبيهة بالحرارة مجازا كما سبق ، ويحتمل أن يراد به خلوصه وحضوره فيكون اشتقاقه من الحريّة ، والجملة الشرطية خبر أن المخفّفة من المثقّلة . واسمها الضمير الشأن وهى مع اسمها وخبرها قائمة مقام مفعولي ظنّ ، وفيه توبيخ لهم على التقصير البالغ في حقّه إلى حدّ أن يظنّ بهم الظنّ المذكور . وقوله : واللَّه إنّ امرأ . إلى قوله : إن شئت . من لطيف الحيلة في الخطاب الموجب للانفعال عنه ، وذلك أنّه صوّر لهم أفعالهم من التخاذل على العدوّ والضعف وسائر أفعالهم المذمومة الَّتي الفوا التوبيخ والتعنيف بعبارة تريهم إيّاها في أقبح صورة وأشدّها كراهة إليهم وأبلغها نكاية فيهم وهو تمكينهم للعدوّ من أنفسهم فإنّ أفعالهم من التخاذل ونحوه . وهي بعينها تمكين للعدوّ فيما يريد بهم وإعداد له وتقوية لحاله ، ولمّا كان من عادة ظفر العدوّ احتياج المال والقتل وتفريق الحال كنّى عن الأوّل بقوله : يعرق لحمه ، ووجه استعارة عرق اللحم لسلب المال بكلَّيّته ظاهر ، وكذلك كنّى عن القتل وسائر أسباب الهلاك من فعل العدوّ بهشم العظم ، وعن تمزيق الحال المنتظم بفري الجلد . ثمّ لمّا كان من البيّن أنّ تخاذلهم تمكين لعدوّهم منهم وكان تمكين الإنسان لعدوّ من نفسه يفعل به الأفعال المنكرة لا يكون إلَّا