ابن ميثم البحراني
8
شرح نهج البلاغة
هو مستلزم للأمر بالصبر على بلاء اللَّه وانتظار رحمته . قوله : إنّ المال والبنين حرث الدنيا . إلى قوله : لأقوام . أقول : لمّا بيّن فيما سبق من التشبيه وغيره أنّ تارك الرذائل المذكورة ونحوها المنتظر للحسنى من اللَّه فائز . أردف ذلك بالتنبيه على تحقير المغشيات الَّتي ينشأ منها التنافس ، ومنها الرذائل المذكورة . فذكر أعظمها وأهمّها عند الناس وهو المال والبنون . فإنّهما أعظم الأسباب الموجبة لصلاح الحال في الحياة الدنيا وأشرف القينات الحاضرة . كما قال اللَّه تعالى « الْمالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا » ونبّه على تحقيرهما بالنسبة إلى العمل بكونهما من حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة . والمقدّمة الأولى من هذا الاحتجاج صغرى كبراه ضمير تقديرها وحرث الدنيا حقير عند حرث الآخرة . فينتج أنّ المال والبنين حقيران بالنسبة إلى حرث الآخرة . وقد ثبت في المقدّمة الثانية أنّ حرث الآخرة هو العمل الصالح . فإذن المال والبنون حقيران بالنسبة إلى العمل الصالح . أمّا المقدّمة الأولى فظاهرة إذ لا حصول للمال والبنين في غير الدنيا . وأمّا بيان الثانية فمن وجهين : أحدهما : قوله تعالى « فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ » وظاهر أنّه لا يريد قلَّة الكميّة ، بل المراد حقارته بالنسبة إلى متاع الآخرة ولذّتها . الثاني : أنّ حرث الدنيا من الأمور الفانية ، وحرث الآخرة من الأمور الباقية الموجبة للسعادة الأبديّة ، والفانيات الصالحات ظاهرة الحقارة بالنسبة إلى الباقيات الصالحات كما قال تعالى « وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وخَيْرٌ أَمَلًا » ثمّ نبّه السامعين بقوله : وقد يجمعهما اللَّه لأقوام . على وجوب الالتفات إلى اللَّه تعالى والتوكَّل عليه . وذلك أنّ الجمع بين حرث الدنيا والآخرة لمّا كان في طباع كلّ عاقل طلب تحصيله ، وكان حصوله إنّما هو من اللَّه دون غيره لمن يشاء من عباده . ذكر عليه السّلام ذلك ليفرغ الطالبون للسعادة إلى جهة تحصيلها وهو التقرّب إلى اللَّه بوجوه الوسائل ، والإعراض عمّا لا يجدي طائلا من الحسد ونحوه ، ثمّ أكَّد ذلك الجذب بالتحذير ممّا حذّره اللَّه من نفسه ، والأمر بالخشية الصادقة البريئة من التعذير المستلزمة لترك محارمه ، ولزوم حدوده الجاذبة إلى الزهد الحقيقي ، ثمّ أردف ذلك بالأمر بالعمل للَّه