ابن ميثم البحراني

79

شرح نهج البلاغة

قوله : إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم . إلى قوله : لا تعقلون . تبكيت لهم وتوبيخ برذائل تعرض لهم عند دعائه لهم إلى الجهاد . الأولى : بأنّه تدور أعينهم حيرة وتردّدا وخوفا من أحد أمرين : إمّا مخالفة دعوته ، أو الإقدام على الموت . وفي كلا الأمرين خطر . ثمّ شبّه حالتهم تلك في دوران أعينهم وحيرتهم بحال المغمور في سكرات الموت ، الساهي فيها عن حاضر أحواله ، المشغول بما يجده من الألم . ونحوه قوله تعالى « يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ » ( 1 ) . الثانية : أنّه يرتج عليهم حواره ، ويرتج في موضع الحال وتعمهون عطف عليه أي يرتج عليكم فيتحيّرون . ثمّ شبّه حالهم عند دعائه إلى الجهاد تشبيها ثانيا بحال من اختلط عقله أي أنّهم في حيرتهم وتردّدهم في جوابه كمختلط العقل ما يفقه ما يقول . الثالثة : أنّهم ليسوا له بثقة أبدا . وهو وصف لهم برذيلة الخلف والكذب المستلزم لعدم ثقته بأقوالهم . الرابعة : كونهم ليسوا بركن يميل به المستند إليه في خصمه . يقال : فلان ركن شديد . استعارة له من ركن الجبل وهو جانبه لما بينهما من المشاركة في الشدّة وامتناع المعتصم به . ونحوه قوله تعالى « قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ » ( 2 ) أي قوىّ يمنعني منكم وهو وصف بالتخاذل والعجز . الخامسة : ولا زوافر عزّ يفتقر إليهم . وهو وصف لهم برذيلة الذلّ والحقارة . السادسة : تشبيههم بإبل ضلّ رعاتها ، والإيماء إلى وجه الشبه وهو أنّها كلَّما جمعت من جانب انتشرت من جانب . إشارة إلى أنّهم ضعيفوا العزوم متشتّتوا الآراء لا يجتمعون على مصلحة بها يكون نظام أحوالهم في الدارين . وقد علمت أنّ ذلك من نقصان القوّة العلميّة فكانوا منها على رذيلة البله . السابعة : كونهم ليسوا بسعر نار الحرب : أي ليسوا من رجالها . وذلك أنّ مدار الحرب على الشجاعة والرأي . وقد سبقت منه الإشارة إلى ذمّهم بالفشل وضعف الرأي .

--> ( 1 ) 33 - 19 ( 2 ) 11 - 28