ابن ميثم البحراني
78
شرح نهج البلاغة
يتسلَّلون ويدخلون الكوفة حتّى لم يبق معه إلَّا القليل منهم . فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس . فقال : أيّها الناس استعدّوا لقتال عدوّ في جهادهم القربة إلى اللَّه ودرك الوسيلة عنده قوم حيازى عن الحقّ لا ينصرونه ، موزعين بالجور والظلم لا يعدلون به . جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان ، ويتسكَّعون في غمرة الضلال « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ومِنْ رِباطِ الْخَيْلِ » و « تَوَكَّلْ عَلَى الله وكَفى بِالله وَكِيلًا » قال : فلم ينفروا . فتركهم أيّاما ثمّ خطبهم هذه الخطبة فقال : أفّ لكم . الفصل . أفّ : كلمة تضجّر من الشيء . وغمرات الموت : سكراته الَّتي يغمر فيها العقل . والذهول : النسيان والسهو . ويرتج عليكم : أي يفلق . والحوار . المخاطبة . وتعمهون : تتحيّرون وتتردّدون . والمألوس : المجنون والمختلط العقل . وسجيس الليالي وسجيس الأوجس : أي أبدا مدى الليالي . والزوافر : جمع زافرة ، وزافرة الرجل أنصاره وعشيرته . وسعر : جمع ساعر ، وإسعار النار تهييجها وإلهابها . والامتعاض : الغضب . وحمس الوغى : اشتداد الحرب وجلبة الأصوات . وعرقت اللحم أعرقه : إذا لم أبق على العظم منه شيئا . والمشرّفية : سيوف منسوبة إلى مشارف : قرى من أرض العرب تدنوا من الريف . وفراش الهام : العظام الرقيقة تلى القحف . واعلم أنّه عليه السّلام لمّا أراد استنفارهم إلى الحرب . وكانوا كثيرا ما يتثاقلون عن دعوته استقبلهم بالتأنيف والتضجّر بما لا يرتضيه من أفعالهم . وقوله : لقد سئمت عتابكم . تفسير لبعض ما تأنف منه . وقوله : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا ، وبالذلّ من العزّ خلفا . استفهام على سبيل الإنكار عليهم يستلزم الحثّ على الجهاد فإنّ الجهاد لمّا كان مستلزما لثواب الآخرة ولعزّة الجانب ، وخوف الأعداء ، والقعود عنه يستلزم في الأغلب السلامة في الدنيا والبقاء فيها لكن مع طمع العدوّ فيهم وذلَّتهم له كانوا بقعودهم عنه كمن اعتاض الدنيا من الآخرة ، واستخلف الذلّ من العزّة . وذلك ممّا لا يرضى به ذو عقل سليم . وعوضا وخلفا منصوبان على التمييز .