ابن ميثم البحراني
71
شرح نهج البلاغة
البعض مجازا من باب إسناد حكم الجزء إلى الكلّ ، ولأنّ الكلّ لمّا كان مقصودا بالقتل كان كونهم مقتولين علَّة غائيّة فجاز إسناد القتل إليهم وإن كان المقتول بعضهم . وقوله : فلتكن الدنيا في أعينكم . إلى آخره . أمر للسامعين باستصغار الدنيا واحتقارها إلى حدّ لا يكون في أعينهم ما هو أحقر منها فإنّ حثالة القرظ وقراضة الجلم في غاية الحقارة ، والمراد من هذا الأمر . وغايته الترك لها فإنّ استحقار الشيء واستصغاره يستتبع تركه والإعراض عنه ، ثمّ أمرهم بالاتّعاظ بالأمم السابقة فإنّ في الماضين عبرة لأولي الأبصار ، ومحلّ الاعتبار ما كانوا فيه من نعيم الدنيا ولذّاتها والمباهاة بكثرة قيناتها ثمّ مفارقتهم لذلك كلَّه بالموت وبقاء الحسرة والندامة للمستكثرين منها حجبا حايلة بينهم وبين الوصول إلى حضرة جلال اللَّه ، ونبّههم بقوله : قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم . على أنّهم مضطرّون إلى مفارقة ما هم فيه وسيصيرون عبرة لغيرهم ، وفايدة الأمر بالاتّعاظ أيضا الإعراض عنها والاقلاع والاغترار بها ، ثمّ لمّا أمرهم بهذه الأوامر الَّتي ليست صريحة في الترك أردف ذلك بالأمر الصريح بالترك فقال : وارفضوها ذميمة : أي اتركوا ما حاله الحقارة والذمامة ، ثمّ نبّه بعده على ما يصلح علَّة لتركها وهو عدم دوام صحبتها وثباتها لمن كان أحبّ منهم لها : أي ولو دام سرورها ونعيمها لأحد لدام لأحبّ الخلق لها وأحرصهم على المحافظة عليها فلمّا لم تدم لمن هو أشدّ حبّا لها منكم فبالأولى أن لا تدوم لكم ، وإذا كان طباعها رفض كلّ محبّ فالأحرى بذي المروّة اللبيب الترفّع والإعراض عمّن لا تدوم صحبته ولا تصفو محبّته . وباللَّه التوفيق . 32 - ومن خطبة له عليه السّلام عند خروجه لقتال أهل البصرة قال عبد اللَّه بن العباس : دخلت على أمير المؤمنين عليه السّلام بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي : ما قيمة هذه النعل فقلت : لا قيمة لها . فقال