ابن ميثم البحراني

69

شرح نهج البلاغة

مكروهة لأدائها إلى ما هو مكروه لذاته ، وأقسام القسم الثاني كثيرة كخوف الموت قبل التوبة ، أو خوف نقض القربة ، أو خوف الانحراف عن القصد في عبادة اللَّه ، أو خوف استيلاء القوى الشهوانيّة بحسب مجرى العادة في استعمال الشهوات المألوفة ، أو خوف تبعات الناس عنده ، أو خوف سوء الخاتمة ، أو خوف سبق الشقاوة في علم اللَّه تعالى . وكلّ هذه ونحوها مخاوف عباد اللَّه الصالحين . وأغلبها على قلوب المتّقين خوف الخاتمة فإنّ الأمر فيه خطر ، وأعلى الأقسام وأدّلها على كمال المعرفة خوف السابقة لكون الخاتمة تبعا لها ومظهرة لما سبق في اللوح المحفوظ . وقد مثّل من له خوف السابقة ومن له خوف الخاتمة برجلين وقع لهما ملك بتوقيع يحتمل أن يكون لهما فيه غناء أو هلاك فتعلَّق قلب أحدهما بحال نشر التوقيع وما يظهر فيه من خير أو شرّ ، وتعلَّق قلب الآخر بما خطر للملك حالة التوقيع من رحمة أو غضب . وهذا التفات إلى السبب . فكان أعلى . فكذلك الالتفات إلى القضاء الأزليّ الَّذي جرى بتوقيعه القلم الإلهيّ في اللوح المحفوظ أعلى من الالتفات إلى الأبد . وإلى ذلك أشار الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث كان على المنبر فقبض كفّه اليمنى ثمّ قال : هذا كتاب اللَّه كتب فيه أهل الجنّة بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يزاد فيه ولا ينقض . وليعمل أهل السعادة بعمل أهل الشقاوة حتّى يقال : كأنّهم منهم بل هم ثمّ يستخرجهم ( يستنقذهم خ ) اللَّه قبل الموت ولو بفواق ناقة ، وليعمل أهل الشقاوة بعمل أهل السعادة حتّى يقال : كأنّهم منهم بل هم هم ثمّ يستخرجهم اللَّه قبل الموت ولو بفواق ناقة . السعيد من سعد بقضاء اللَّه ، والشقيّ من شقى بقضاء اللَّه ، والأعمال بالخواتيم . وأمّا أقسام القسم الأوّل فمثل أن يتمثّل في نفوسهم ما هو المكروه لذاته كسكرات الموت وشدّته ، أو سؤال منكر ونكير ، أو عذاب القبر ، أو هول الموقف بين يدي اللَّه تعالى والحياء من كشف السرّ والسؤال عن النقير والقطمير ، أو الخوف من الصراط وحدّته وكيفيّة العبور عليه ، أو من النار وأغلالها وأحوالها ، أو من حرمان الجنّة ، أو من نقصان الدرجات فيها ، أو خوف الحجاب من اللَّه تعالى . وكلّ هذه الأسباب مكروهة في نفسها ومختلف حال السالكين إلى اللَّه فيها ، وأعلاها رتبة خوف الفراق والحجاب عن اللَّه تعالى وهو خوف العارفين ، وما قبل ذلك وهو خوف العابدين والصالحين والزاهدين ومن لم تكمل معرفته بعد .