ابن ميثم البحراني

47

شرح نهج البلاغة

من مرغوب ومرهوب . وفيه شميمه التعجّب من جمع الموقن بالجنّة والنار بين علمه بما في الجنّة من تمام النعمة وتقصيره عن طلبها بما يؤدّى إليها من الأعمال الصالحة ، وجمع الموقن بالنار بين علمه بما فيها من عظيم العذاب وبين تقصيره وغفلته عن الهرب إلى ما يخلص منها . الثامن : قوله ألا وإنّه من لم ينفعه الحقّ يضرّه الباطل . قوله ألا وإنّه من لم ينفعه الحقّ يضرّه الباطل . فالضمير في إنّه ضمير الشأن . وأراد بالحقّ الإقبال على اللَّه بلزوم الأعمال الصالحة المطابقة للعقايد المطابقة ، وبالباطل الالتفات عنه إلى غير ذلك ممّا لا يجدي نفعا في الآخرة . وهو تنبيه على استلزام عدم منفعة الحقّ لمضرّة الباطل في صورة شرطيّة متّصلة ، وبيان الملازمة فيها ظاهر فإنّ وجود الحقّ مستلزم لمنفعته فعدم منفعته إذن مستلزم لعدمه وعدمه مستلزم لوجود الباطل لأن اعتقاد المكلَّف وعمله إمّا أن يطابقا أوامر اللَّه تعالي ، أوليس . والأوّل هو الحق ، والثاني هو الباطل . وظاهر أنّ عدم الأوّل مستلزم لوجود الثاني . ثمّ إنّ وجود الباطل مستلزم لمضرّته . فيظهر بهذا البيان أنّ عدم منفعة الحقّ مستلزم لوجود مضرّة الباطل . وإذا ثبت ذلك فنقول : مراده عليه السّلام بلزوم الحقّ ما هو المستلزم لمنفعته وبنفي الباطل ما هو المستلزم لعدم مضرّته . فإنّ لزوم الطاعة للَّه بامتثال أوامره والإقبال عليه مستلزم للوصول إلى جواره المقدّس ، والالتفات إلى ما عداه المعبّر عنه بالباطل مستلزم للنقصان الموجب للتخلَّف عن السابقين والهوى في درك الهالكين . وذلك محض المضرّة . فظهر أذن سرّ قوله : عليه السّلام من لم ينفعه الحقّ يضرره الباطل . ومن غفلة بعض من يدّعى العلم عن بيان هذه الملازمة ذهب إلى أنّ الوعيدات الواردة في الكتب الإلهيّة إنما جاءت للتخويف دون أن يكون هناك شقاوة للعصاة . محتجّا على ذلك بتمثيلات خطابيّة عن مشهورات في باديء الرأي إذا تعقّبها النظر زالت شهرتها . التاسع ومن لا يستقم به الهدى يجرّ به الضلال إلى الردى ومن لا يستقم به الهدى يجرّ به الضلال إلى الردى . أراد بالهدى نور العلم والإيمان ، وبالضلال الجهل والخروج عن أمر اللَّه . والمعنى أنّ من لم يكن الهدى دليله القائد له بزمام عقله في سبيل اللَّه ويستقيم به في سلوك صراطه المستقيم