ابن ميثم البحراني
44
شرح نهج البلاغة
وما أعدّ له في الجنّة من الثواب الجزيل ، بل كان خفيف الظهر ناجيا من ثقل الوزر كما أشار إليه الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم بقوله : نجا المخفّفون . وكما سبق من إشارة علىّ عليه السّلام إلى ذلك بقوله : تخفّفوا تلحقوا . فيكون بعد الموت سابقا ممّن كان أضعف استكمالا منه ، وممّن لسعت عقارب الهيئات البدنيّة والملكات الرديئة قلبه وأثقلت الأوزار ظهره وأوجب له التخلَّف عن درجة السابقين الأوّلين . وكذلك يكون سبق هذا بالنسبة إلى من هو أقلّ استعدادا منه وأشدّ علاقة للدنيا بقلبه . فكان معنى المسابقة ظاهرا إن كان استعارة من السباق المتعارف بين العرب . وإن قلنا : إنّ السباق جمع سبقه : اسم لمّا يستبق إليه ويجعل للسابق . فالمعنى أيضا ظاهر فإنّ ما يستبق إليه إنّما يكمل الوصول إليه بعد المفارقة ، ويكون الاستباق إمّا قبل المفارقة وهو السعي في درجات الرياضات كما أشار إليه سبحانه بقوله « سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا » ( 1 ) الآية ، وقوله « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » . أو بعد المفارقة كما أشرنا إليه . ويكون قوله بعد ذلك : والسبقة الجنّة . تعيينا للمستبق إليه بعد التنبيه عليه إجمالا وأمّا قوله : والغاية النار . فالَّذي ذكره الرضىّ - رضوان اللَّه عليه - في تخصيص الجنّة بالسبقة والنار بالغاية حسن وكاف في بيان مراده عليه السّلام إلَّا أنّه يبقى هاهنا بحث وهو أنّ هذه الغاية من أيّ الغايات هي وهل هي غاية حقيقيّة أو لازمة لغاية فنقول : إنّ ما ينتهى إليه قد يكون بسوق طبيعيّ ، وقد يكون بسوق إراديّ . وكلّ واحد منهما قد يكون ذاتيّا ، وقد يكون عرضيّا . فالسوق الذّاتي منهما يقال له غاية إمّا طبيعيّة كاستقرار الحجر في حيّزه عن حركته بسوق طبيعته له إليه وإمّا إراديّة كغايات الإنسان من حركاته المنتهى إليها بسوق إرادته . وأمّا المنتهى إليه بالسوق العرضيّ فهو من لوازم إحدى الغايتين وقد يسمّى غاية عرضيّة . فاللازم عن الطبيعيّة كمنع الحجر غيره أن يحلّ بحيث هو فإنّ ذلك من لوازم استقراره في حيّزه ، وعن الإراديّة كاستضاءة الجار بسراج جاره فإنّ ذلك من لواحق استضاءته وكهلاك الطائر في حبائل الصيّاد عن الميل إلى التقاط حبّة . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ كون النار غاية بهذا المعنى الرابع .
--> ( 1 ) 57 - 21