ابن ميثم البحراني
407
شرح نهج البلاغة
فيدركهم الغيرة ثمّ أردفه بتحقيرهم وتفضيل عدوّهم عليهم في البأس والنجدة واستقامة الحال فأقسم أنّه ليودّ أن يصارفه معاوية بهم صرف الدينار بالدرهم وذلك قوله : رجلا منهم . ثمّ أردف ذلك ببيان ما ابتلى به منهم ، وأشار إلى خمس خصال ، وإنّما قال بثلاث واثنتين لتناسب الثلاث وكون الثنتين من نوع آخر فالثلاث : الصمم مع كونهم ذوى أسماع والبكم مع كونهم ذوى كلام والعمى مع كونهم ذوى أبصار ، وجمعه لهذه الثلاث مع أضدادها هو سبب التعجّب منهم والتوبيخ لهم وأراد بها عدم انتفاعهم في مصالحهم الدينيّة ونظام أمور دولتهم بآلة السمع واللسان والعين فإنّ من لم يفده سمعه وبصره عبرة ومن لم يكن كلامه فيما لا يعنيه كان كفاقد هذه الآلات في عدم الانتفاع بها بل كان فاقدها أحسن حالا منه لأنّ وجودها إذا لم يفد منفعة أكسب مضرّة قد أمنها عادمها ، وأمّا الثنتان فكونهم لا أحرار صدق عند اللقاء : أي أنّهم عند اللقاء لا تصدق حريّتهم ولا تبقى نجدتهم من مخالطة الجبن والتخاذل والفرار إذا الحرّ هو الخالص من شوب الرذائل والمطاعن ، ثمّ كونهم غير أخوان ثقة عند البلاء : أي ليسوا ممّن يوثق باخوّتهم في الابتلاء بالنوازل ، ثمّ عاد إلى الدعاء عليهم على وجه التضجّر منهم وتشبيههم بالنعم فقوله : تربت أيديكم دعاء بعدم إصابة الخير . وقوله : يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها كلما جمعت من جانب تفرّقت من جانب . ذكر للتشبيه والمشبّه به ، ووجه الشبه أردفه بذكر رذيلة يظنّها منهم بإماراتها وهى تفرّقهم عنه على تقديره اشتباك الحرب ، وشبّه انفراجهم عنه بانفراج المرأة عن قبلها ليرجعوا إلى الأنفة ، وتسليم المرأة لقبلها وانفراجها عنه إمّا وقت الولادة أو وقت الطعان ثمّ عاد إلى ذكر فضيلته ليستثبت قلوبهم ويتألَّفها والبيّنة الَّتي هو عليها من ربّه آيات اللَّه وبراهينه الواضحة على وجوده والثقة بما هو عليه من سلوك سبيله وهو كقوله تعالى « قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي » والمنهاج من نبيّه طريقه وسنّته ، والطريق الواضح الَّذي هو عليه سبيل اللَّه وشريعة دينه ، والتقاطه له لقطا تتّبعه وتميّزه على طريق الضلال بالسلوك له ثمّ أردف فضيلته بالأمر باعتبار أهل البيت ولزوم سمتهم واقتفاء أثرهم ،