ابن ميثم البحراني
386
شرح نهج البلاغة
فاحتاج في تقويم الخلق وردّهم إلى قواعد الحقّ إلى أنّ يزدادوا فيه رغبة بهذا الكلام ومثله فقال : دعوني والتمسوا غيرى . ألا ترى أنّه نبّههم بعد هذه التمنّع على أنّ هاهنا أمورا صعبة مختلفة يريد أن ينكرها عليهم ويقاوم ببعضهم فيها بعضا ويحملهم على الصلاح ، وجعل استقباله لتلك الأمور الصعبة علَّة لاستقالته من هذا الأمر فقال : فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب : أي لا تصبر ولا تثبت عليه العقول بل تنكره وتأباه لمخالفته الشريعة ومضادّته لنظام العالم ، وذلك الأمر هو ما كان يعلمه من اختلاف الناس عليه بضروب من التأويلات الفاسدة والشبهات الباطلة كتهمة معاوية وأهل البصرة له بدم عثمان وكتأويل الخوارج عليه في الرضا بالتحكيم ونحو ذلك ، وهو المكنىّ عنه بالوجوه والألوان كناية بالمستعار . وقوله : وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجّة قد تنكَّرت . استعار لفظ الغيم لما غشى آفاق البلاد وأقطار القلوب المتغيّرة العازمة على الفساد من ظلمات الظلم والجهل ، ووجه المشابهة ما تستلزمه هذه الظلمات من توقّع نزول الشرور منها كما يتوقّع نزول المطر والصواعق من الغيم ، وأشار بالمحجّة إلى واضح طريق الشريعة ، وتنكَّرها جهل الناس بها وعدم سلوكهم لها . وقوله : واعلموا . إلى قوله : عتب العاتب . لمّا تمنّع عليهم وعلم صدق رغبتهم فيه شرع في تقرير ما يريد أن يفعله تقريرا إجماليّا عليهم مع تمنّع دوين الأوّل فأعلمهم أنّه على تقدير إجابتهم إلى هذا الأمر لا يركب بهم إلَّا ما يعلم من أمر الشريعة ولا يصغى إلى قول قائل خالف أمر اللَّه لمقتضى هواه ، ولا عتب عاتب عليه في أنّه يفضّله أو لم يرضه بما يخالف ما يعلم من الشريعة إذ القائل والعاتب في ذلك مفتر على اللَّه وعاتب عليه ولقد وفى عليه السّلام بما وعدهم به من ذلك كما سنذكره في قصّة أخيه عقيل لمّا استماحة صاعا من برّ أو شعير فحمى له حديدة وقرّبها منه فأنّ عقيل فقال له : ثكلتك الثواكل أتانّ من حديدة حماها إنسان للعبة ولا تأنّ من نار أجّجها جبّار لغضبه . ولفظ الركوب مستعار لاستوائه على ما يعلم . وقوله : وإن تركتموني . إلى آخره .