ابن ميثم البحراني
384
شرح نهج البلاغة
هذه القراين الأربع مقابلة للأربع الَّتي نفاها : فنفاذ علمه فيهم مقابل لما نفاه من لحوق الكلفة في علمه بهم ، وإحصاؤهم بعده مقابل للأعراض العارضة في حفظ خلقه ، ووسع عدله لهم مقابل لنفى اعتوار الملالة في تنفيذ أموره وتدبير مخلوقاته إذ كان معنى عدله فيهم وضعه لكلّ موجود في مرتبته وهبته له ما يستحقّه من زيادة ونقصان مضبوطا بنظام الحكمة واعتراض الملالة سبب لاختلاف نظام الفعل ، وقوله : وغمرهم فضله مقابل لنفى الفترة فإنّ فتور الفاعل عن الفعل مانع له عن تتمّة فعله وتمام وجوده ، وقوله : مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله تنبيه على حقارة عبادتهم في جنب عظمته واستحقاقه لما هو أهله ليدوم شكرهم وثنائهم ولا يستكبروا شيئا من طاعتهم ، وباللَّه التوفيق . الفصل الرابع : في تمجيده خطابا له ودعاء وطلبا لجزاء ما سبق من ثنائه وتعديد أوصافه الجميلة وهو رضاه عنه وإغناؤه من غيره . وفيه إشارات : الأولى : قوله : أنت أهل الوصف الجميل والتعداد الكثير إشارة إلى أنّه تعالى بحسب استحقاقه الوصف بأشرف طرفي النقيض كان أهل الوصف الجميل وباعتبار تعدّد ثنائه وحمده بالنظر إلى كلّ جزئيّ من جزئيّات نعمه هو أهل التعداد الكثير . الثانية : وقد بسطت لي فيما لا أمدح به غيرك ولا أثنى به على أحد سواك إشارة إلى إذنه له في شكره والثناء عليه بالأوصاف الجميلة الَّتي لا يستحقّها حقيقة إلَّا هو ولا ينبغي أن تطلق إلَّا له . ومعنى هذه الإذن إمّا إلهام حسن شكر المنعم ومدحه وإذ لا منعم في الحقيقة إلَّا هو فلا يستحقّ التمجيد المطلق إلَّا هو . ومخاطبته له بايجاب الشكر كقوله تعالى « وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » وبالتسبيح في قوله تعالى « وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى » وقوله : « وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلًا » واستعار لفظ المعادن للخلق ، ووجه المشابهة أنّ معدن الشيء كما أنّه مظنّة المطلوب منها كذلك الخلق أرباب النعم الفانية مظانّ خيبة طالبها من أيديهم وحرمانها ، وكذلك مواضع الريبة أي الشكّ في منعهم وعطائهم لها ولذلك فسّره بقوله : وعدلت بلساني من مدايح الآدميّين والثناء على المربوبين المخلوقين . الثالثة : قوله : دليلا نصب على الحال أو المفعول ، والمراد برجائه دليلا على ذخاير