ابن ميثم البحراني

380

شرح نهج البلاغة

والقضاء الإلهيّ السابق . الفائدة الخامسة : قوله : فأهبطه بعد التوبة من قال : إنّ المراد بآدم هو نوع النفوس البشريّة وقد ثبت أنّه حادث أو أنّه هو الشخص الأوّل منها قال : إنّ التوبة قبل الإهباط هي التوبة بالقوّة المعلومة للَّه من عصاة أولاد آدم التائبين إليه قبل إهباط نفوسهم من درجات عرفانه ، وإلفات وجوههم إلى عمارة الأرض ، والاشتغال بالحرث والنسل ، والأنبياء عليهم السّلام يرجعون عن المباحات إلى ما هو الأولى والأهمّ من عبادة اللَّه ومطالعة أنوار كبريائه ويعدّون ما رجعوا عنه ذنوبا ، ورجوعهم عنه توبة كما قال النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّه ليغان على قلبي فأستغفر اللَّه في اليوم سبعين مرّة ، وليس ذلك المستغفر منه إلَّا اشتغال ذهنه بتدبير أمور الأرض وعمارتها واشتغاله بذلك عن الخلوة باللَّه واستشراق أنوار قدسه . الفائدة السادسة : قوله : وليقيم الحجّة به على عباده الَّذين بعث آدم حجّة عليهم أمّا أولاده الموجودون في زمانه والمنقول أنّه مات عن أربعين ولد ، أو من بلغته سنّته منهم بعد وفاته والمنقول أنّ اللَّه تعالى أنزل من الأحكام تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة وهو أوّل كتاب كان في الدنيا أجرى اللَّه عليه الألسنة كلَّها . الفائدة السابعة : قوله : ولم يخلهم بعد أن قبضه ممّا يؤكَّد عليهم حجّة ربوبيّته أي أنّ حجّة ربوبيّته قائمة عليهم في كيفيّة تخليقه لهم ، وخلق ما يستدلَّون عليه به من صنعه كما قال تعالى « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » ( 1 ) الآية وغيره من الآيات . وإنّما يكون بعثة الأنبياء مؤكَّدة لتلك الحجج مذكَّرة للغافلين عنها بها ومنبّهة على وجودها وموصلة بينهم وبين معرفته بما جاءت به من الكتب المنزلة والسنن الشرعيّة ، وقوله : بلغ المقطع عذره ونذره : أي إعذاره إلى الخلق وإنذاره لهم بلغ الغاية . ومقطع كلّ شيء غايته . الفائدة الثامنة : تقدير اللَّه أرزاقهم تقسيمه لها وإعطاء كلّ مخلوق ما كتب له في اللوح المحفوظ منها من قليل وكثير وضيّق وواسع ومتيسّر ومتعسّر ومعاقبة الأضداد

--> ( 1 ) 41 - 53