ابن ميثم البحراني

355

شرح نهج البلاغة

ومقعدهم الصدق من معرفته فإنّ خلقهم إنّما كان لعمارة ذلك المحلّ وهو البيت المعمور بجلال اللَّه وعبادتهم له ، ولمّا كانوا من أشرف الموجودات كانوا هم الخلق البديع التامّ المعجب . الثاني : ملأ بهم فروج فجاجها وحشا بهم فتوق أجوائها استعار لفظ الفروج والفجاج والفتوق لما يتصوّر بين أجزاء الفلك من التباين لولا الملائكة الَّذين هم أرواح الأفلاك وبهم قام وجودها وبقاء جواهرها محفوظة بهم . ووجه المشابهة ظاهر ، ورشّح تلك الاستعارة بذكر الملء والحشو ، وأمّا فجاجها وفروجها فإشارة إلى ما يعقل بين أجزائها وأجوائها المنتظمة على التباين لولا الناظم لها بوجود الملائكة فيكون حشو تلك الفرج بالملائكة كناية عن نظامها بوجودها وجعلها مدبّرة لها . الثالث : وبين فجوات تلك الفروج . إلى قوله : المجد . استعار لفظ الزجل لكمال عبادتهم كما أنّ كمال الرجل في رفع صوته بالتضرّع والتسبيح والتهليل وكذلك لفظ الحظائر لمنازل الملائكة من عالم الغيب ومقامات عبادتهم ، وظاهر كونها حظاير القدس لطهارتها وبراءتها عن نجاسات الجهل والنفس الأمّارة بالسوء ، وكذلك استعار لفظ سترات الحجب والسرادقات لما نبّهنا عليه من حجب النور الَّتي حجبت بها عن الأذهان أو لتجرّدهم عن الموادّ والأوضاع المحسوسة ، ووجه المشابهة كونهم محتجبين بذلك عن رؤية الأبصار والأوهام . وظاهر كون تلك الحجب سرادقات المجد لكمال ذواتهم وشرفهم بها على من دون تلك الحجب . الرابع : ووراء ذلك الرجيج الَّذي تستكّ . إلى قوله : حدودها . استعار لفظ الرجيج لعبادات الملائكة كما استعار لفظ الزجل ورشّح استعارة الرجيج بقوله : تستكّ منه الأسماع وكنّى به من كمال عبادتهم ، ويحتمل أن يشير بذلك الزجل والرجيج إلى ما يسمعه الأنبياء من أصوات الملائكة كما علمت كيفيّته في سماع الوحي وبيّناه في المقدّمة وأشار بسبحات النور الَّتي وراء ذلك الرجيج إلى جلال وجه اللَّه وعظمته وتنزيهه أن يصل إليه أبصار البصائر ، ونبّه بكون ذلك وراء رجيجهم إلى أنّ معارفهم لا تتعلَّق به كما هو ، بل وراء علومهم وعباداتهم أطوار أخرى من جلاله تقصر معارفهم عنها