ابن ميثم البحراني

346

شرح نهج البلاغة

ذات فرج وصدوع ، وأمّا على رأى غيرهم فقالوا : يحتمل أمرين : أحدهما : أنّه لمّا كانت السماوات مركَّبة من أجزاء وكانت بين أجزاء كلّ مركَّب مباينة لولا المركَّب والمؤلَّف استعار عليه السّلام لفظ الرهوات والفرج لما يتصوّر من المباينة بين أجزاء السماء عند قطع النظر عن صانعها ومركَّبها سبحانه ، ونظامه لرهوات فرجها إفاضته لصورها على قوابلها حتّى تمّت مركَّبا منتظما متلاحم الصدوع والفرج ، والثاني : يحتمل أن يشير بالفرج إلى ما بين أطباق السماوات من التباين ، ونظمه لرهواتها وملاحمة صدوعها خلقها اكرا متماسّة لا خلاء بينها ، ونبّه على كمال قدرة اللَّه تعالى بقوله : بلا تعليق . فإنّ الأوهام حاكمة بأنّ السماء واقفة في خلاء كما يقف الحجر في الهواء وذلك منشأ حيرتها وتعجّبها فحرّكها بذلك القول إلى التعجّب والاستعظام . وقوله : ووشّج بينها وبين أزواجها . أراد بأزواجها نفوسها الَّتي هي الملائكة السماويّة بمعنى قرائنها وكلّ قرين زوج : أي ربط ما بينها وبين نفوسها بقبول كلّ جرم سماويّ لنفسه الَّتي لا يقبلها غيره . وقوله : وذلَّل للهابطين بأمره . إلى قوله : انفراجها . قد سبقت الإشارة إلى أنّ الملائكة ليست أجساما كساير الحيوان فإذن ليس هبوطها وصعودها الهبوط والصعود المحسوسين وإلَّا لكان الباري - جلّ قدسه عن أوهام المتوهّمين - في جهة إليه يصعد وعنه ينزل فإذن هو استعارة لفظ النزول من الجهة المحسوسة إلى أسفل لنزول العقول من سماء الجود الإلهيّ إلى أراضي الموادّ القابلة للإفاضات العالية ، وبذلك المعنى يكون هبوط الملائكة عبارة عن إيصالها إلى كلّ ما دونها كماله متوسّطة بينه وبين مبدعة وموجده وهم المرسلون من الملائكة بالوحي وغيره وكذلك الصاعدون بأعمال الخلق هم الملائكة أيضا ، وأمّا معنى الصعود بها فيعود إلى كونها منقوشة في ذوات الصاعدين بها ، وقد لاح فيما سبق أنّ علمه تعالى بمعلولاته البعيدة كالزمانيّات والمعدومات الَّتي من شأنها أن توجد في وقت وتتعلَّق بزمان يكون بارتسام صورها المعقولة في تلك الألواح ، وهو أيضا مستعار كلفظ الهبوط للمعنى الَّذي ذكرناه من أراضي النفوس إلى الألواح المحفوظة . فأمّا الانفراج الَّذي ذلَّل حزونته لهم وسهل عليهم سلوكه فيعود