ابن ميثم البحراني

338

شرح نهج البلاغة

الأذكياء صورة شكل لم يسبق إلى تصوّره فيتصوّره ويبرز صورته إلى الخارج ، وكيفيّة صنع اللَّه للعالم وجزئيّاته منزّهة عن الوقوع على أحد هذين الوجهين : أمّا الأوّل فلأنّا بيّنا أنّه لا قبل له فلا قبل لمصنوعاته فلا مثال امتثله : أي عمل مثله ، ولا مقدار احتذى حذوه . وأمّا الثاني وإن سمّى الفاعل على وفقه مخترعا لكن التحقيق يشهد بأنّه إنّما فعل على وفق ما حصل في ذهنه من الشكل والهيئة وهما مستفادان من الصانع الأوّل جلَّت عظمته فكان في الحقيقة فاعلا على غير مثال سابق محتذيا لمقدار غيره ، وعلم الأوّل سبحانه ليس على النحو المذكور من حصول صورة مساوية للمعلوم في ذاته كما تحقّقته من قبل فإذن فعله بمحض الإبداع والاختراع على أبعد ما يكون عن حدّ ومثال . وقوله : وأرانا من ملكوت قدرته . إلى قوله : معرفته . ملكوت قدرته ملكها وإنّما نسبه إلى القدرة لأنّ اعتبارها مبدء الوجود كلَّه فهي مبدء المالكيّة ، وآثار حكمته ما صدر عنها من الأفعال والأحكام وانقياد كلّ ناقص إلى كماله ، واستعار لفظ النطق للسان حال آثاره تعالى المفصحة عن كمال الحكمة المعجبة بتمام النظام وحسن الترتيب ، ووجه المشابهة ما اشترك فيه النطق وحال مصنوعاته من ذلك الإفصاح والبيان ، واعتراف عطف على عجائب ، وإلى أن متعلَّق بالحاجة ، وما في قوله : وما دلَّنا هي المفعول الثاني لأرانا : أي وأرانا من اعتراف الخلق لحاجتهم إلى أن يقيمهم في الوجود بمساك قدرته الَّتي تمسك السماوات والأرض أن تزولا ما دلَّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته ، وقوله : على معرفته متعلَّق بدلَّنا : أي ما دلَّنا على معرفته فلزمت قيام الحجّة له بالضرورة . وقوله : وظهرت في البدائع . إلى قوله : قائمة . استعار لفظ الأعلام لما يدلّ على حكمة الصانع في فعله من الإتقان والإحكام . واعلم أنّ كلّ ما ظهرت فيه آثار حكمة اللَّه فهو ناطق بربوبيّته وكمال ألوهيّته فبعض ناطق . بلسان حاله ومقاله كالإنسان ، وبعض بلسان حاله فقط إذ لا عقل له ولا لسان كالجماد والنبات ، والضمير المضاف إليه في قوله : فحجّته يحتمل عوده إلى اللَّه ، ويحتمل أن يعود إلى الخلق الصامت . وقد علمت أنّ السالكين في سماع هذا النطق من آثار اللَّه ومشاهدته