ابن ميثم البحراني
336
شرح نهج البلاغة
واعلم أنّ في إحالته عليه السّلام لطالب المعرفة على الكتاب والسنّة وبيان الأئمّة دلالة على أنّ مقصوده ليس أن يقتصر على ظاهر الشريعة فقط بل يتّبع أنوار القرآن والسنّة وآثار أئمّة الهدى ، وقد ورد في القرآن الكريم والسنّة وكلام الأئمّة من الإشارات والتنبيهات على منازل السلوك ووجوب الانتقال في درجاتها ما لا يحصى كثرة ونبّهوا على كلّ مقام أهله وأخفوه من غير أهله إذ كانوا أطبّاء النفوس وكما أنّ الطبيب يرى أنّ بعض الأدوية لبعض المرضى ترياق وشفاء وذلك الدواء لشخص آخر سمّ وهلاك كذلك كتاب اللَّه والموضحون لمقاصده من الأنبياء والأولياء يرون أنّ بعض الأسرار الإلهيّة شفاء لبعض الصدور فيلقونها إليهم وربّما كانت تلك الأسرار بأعيانها لغير أهلها سببا لضلالهم وكفرهم إذا ألقيت إليهم . فإذن مقصوده عليه السّلام قصر كلّ عقل على ما هو الأولى به وما يحتمله ، والجمع العظيم المخاطبون هم أصحاب الظاهر الَّذين يجب قصرهم عليه . واللَّه أعلم . وقوله : هو القادر الَّذي إذا ارتمت . إلى آخره . إشارة إلى اعتبارات أخر جمليّة في وصفه تعالى نبّه على أن غاية استقصاء العقول وتعمّقها وغوص فطنها طالبة لتفصيل صفات كماله ونعوت جلاله أن تقف خاسئة وترجع حسيرة معترفة بالعجز والقصور ، فقوله : إذا ارتمت إلى قوله : ردعها شرطيّة متّصلة في قوّة شرطيّات متعدّدة المقدّمات وتاليها واحد . فالمقدّم الأوّل قوله : إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته وارتماؤها استرسالها مجدّة في المطالعة والتفتيش ومنقطع قدرته منتهاها ، والمقدم الثاني قوله : وحاول الفكر المبرّء من خطرات وساوس الشيطان وشوائب الأوهام أن يقع عليه ليكيّف ذاته ويستثبتها بكلّ ما ينبغي لها من الكمالات في عميقات غيوب ملكوته : أي في أسرار عالم الغيب العميقة . والمقدّم الثالث قوله : وتولَّهت القلوب : أي اشتدّ شوقها إليه لتجرى في كيفيّة صفاته . والمقدّم الرابع قوله : وغمضت مداخل العقول : أي وقت مواقع دخولها بحيث لا تبلغه الصفات : أي انتهت العقول إلى حدّ أنّها لا تعتبر مع ملاحظة ذات الحقّ صفة له بل يحذف كلّ خاطر وكلّ اعتبار من صفة وغيرها من ملاحظة قدسه لينال علم ذاته بالكنه ، وقوله : ردعها . هو تالي هذه