ابن ميثم البحراني
333
شرح نهج البلاغة
أنوار اللَّه مع ظلمات حسّهم . الرابعة : طائفة ترقّوا عن ذلك فرأوا أنّ النار تطفي وتقهر فلا تصلح للإلهيّة فقالوا : بل ما يكون بهذه الصفات ولكن نكون نحن تحت تصرّفه ويكون مع ذلك موصوفا بالعلوّ . وكان المشهور بينهم علم النجوم وإضافة التأثيرات إليها فعبدوا النجوم فمنهم عبدة المشترى ومنهم عبدة الشعرى وغيرهم فهؤلاء محجوبون مع ظلمه الحسّ بنور الاستعلاء والإشراف وهى من أنوار اللَّه تعالى . الخامسة : طائفة ترقّوا عن هؤلاء فقالوا : وإن وجب أن يكون الربّ بالصفات المذكورة إلَّا أنّه ينبغي أن يكون أكبر الكواكب فعبدوا الشمس فهؤلاء محجوبون مع ظلمة الحسّ بنور الكبرياء والعظمة مع بقيّة الأنوار . السادسة : طائفة ترقّوا عن ذلك فقالوا : إنّ الشمس لا تتفرّد بالنور بل لغيرها أنوار والإله لا يجوز أن يكون له شريك في نورانيّته فعبدوا النور المطلق على كلّ نور ، وزعموا أنّه إله العالم والخيرات كلَّها منسوبة إليه ثمّ رأوا في العالم شرورا فلم يستحسنوا إضافتها إلى ربّهم تنزيها له فجعلوا بينه وبين الظلمة منازعة وأحالوا العالم إلى النور والظلمة وهؤلاء الثنويّة . الصنف الثاني : المحجوبون ببعض الأنوار مقرونة بظلمة الخيال وهم الَّذين جاوزوا الحسّ وأثبتوا وراء المحسوس أمرا لكنّهم لم يهتدوا إلى مجاوزة الخيال فعبدوا موجودا قاعدا على العرش وأخسّهم رتبة المجسّمة ثمّ أصناف الكراميّة وأرفعهم درجة من نفى الجسميّة وجميع عوارضها إلَّا الجهة فخصّصوه بجهة فوق ، وهؤلاء لم يثبتوا موجودا غير محسوس ولا متخيّل حتّى ينزّهوه عن الجهة . الصنف الثالث : المحجوبون بأنوار الإلهيّة مقرونة بمقايسات عقليّة فاسدة مظلمة فعبدوا إلها سميعا بصيرا متكلَّما عالما قادرا منزّها عن الجهات لكن فهموا هذه الصفات على حسب مناسبة صفاتهم ، وربّما صرّح بعضهم فقال : كلامه صوت مثل كلامنا . وربّما ترقّى بعضهم فقال : لا بل هو كحديث أنفسنا ولا صوت ولا حرف . ولذلك إذا حقّق القول عليهم رجعوا إلى التشبيه في المعنى وإن أنكروه لفظا إذ لم يدركوا كيفيّة