ابن ميثم البحراني

326

شرح نهج البلاغة

وهو من تلك الجهة غير مختلف في جميع الموجودات بل نسبتها إليه على سواء بذلك الاعتبار . فلا يقال : هو بكذا أجود منه بكذا . وإلَّا لاستلزم ذلك أن يكون ببعض الأشياء أبخل أو إليها أحوج فيلزمه النقصان تعالى اللَّه عن ذلك ، والثاني : بالنظر إلى الممكن نفسه والاختلاف الواقع في القرب والبعد إلى جوده إنّما هو من تلك الجهة فكلّ ممكن كان أتمّ استعدادا وأقبل للوجود وأقلّ شرطا ومعاندا كان أقرب إلى جوده . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ السائل وإن حصل له ما سأل من اللَّه تعالى دون ما لم يسئل فليس منعه ما لم يسئله لعزّته عند اللَّه وليس بينه وبين ما سئل بالنسبة إلى جود اللَّه تعالى فرق وتفاوت بل إنّما خصّ بما سئل لوجوب وجوده له عند تمام قبوله له بسؤاله دون ما لم يسئله ولو سئل ما لم يسئله واستحقّ وجوده لما كان في الجود الإلهيّ بخل به ولا منع في حقّه وإن عظم خطره وجلّ قدره ولم يكن له أثر نقصان في خزائن ملكه وعموم جوده . وإلى هذا أشار علىّ بن موسى الرضا عليه السّلام وقد سئل عن الجواد فقال : لسؤالك وجهان إن أردت المخلوق فالَّذي يؤدّى ما افترض اللَّه عليه والبخيل الَّذي يمنع ما افترض اللَّه عليه وإن أردت الخالق فهو الجواد إن أعطى وإن منع لأنّه إن أعطى أعطى من له وإن منع منع من ليس له . فقوله : له . وليس له ، إشارتان إلى أنّ الجود الإلهيّ إنما يهب . ويتوقّف في هبته على وجود المستحقّ . وقد نزّهه عليه السّلام بهذا الوصف عن ضنّة الخلق إذ كان من شأنهم أن يكونوا بما سئلوا أجود منهم بما لم يسألوا لكونه أسهل عليهم ومن شأن السائل أن لا يسألهم ما هو أعزّ عندهم ولذلك كانوا بما سئلوا أجود . السابع : الأوّل الَّذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله . الثامن : والآخر الَّذي ليس له بعد فيكون شيء بعده وقد أشرنا إلى هذين الوصفين فيما سلف ونزيدهما بيانا فنقول : الأوليّة والآخريّة اعتباران إضافيّان تحدثهما العقول لذاته المقدّسة وذلك أنّك إذا لاحظت ترتيب الوجود في سلسلة الحاجة إليه سبحانه وجدته تعالى بالإضافة إليها أوّل إذ كان انتهائها في سلسلة الحاجة إلى غناه المطلق فهو أوّل بالعليّة والذات والشرف ، وإذ ليس بذي مكان فالتقدّم بالمكان منفىّ عنه والزمان متأخّر عنه . إذ هو من لواحق الحركة المتأخّرة عن الجسم المتأخّر عن علَّته فلم يلحقه القبليّة