ابن ميثم البحراني

324

شرح نهج البلاغة

أقول : الأشباح : الأشخاص . ويفره : يزيد ماله وفورا ويتمّمه . ويكديه : ينقص خيره . وتنفّست عنه : انفرجت . والفلزّ : ما ينقيه الكير ممّا يذاب من جواهر الأرض . والعقيان : الذهب الخالص . والمرجان : صغار اللؤلؤ . وألحّ في سؤاله : إذا أدام عليه . وقد شرع في وصف اللَّه سبحانه باعتبارات له إلى آثاره : الأوّل : أنّه لا يتزيّد بما حرمه ومنعه من فضله . الثاني : ولا ينقصه عطاؤه وجوده . ثمّ ردّ حكم الوهم عليه سبحانه بدخوله في عموم المنتقصين بالعطايا بقوله : إذ كلّ معط منتقص سواه ، وكذلك قدّسه عن الدخول في زمرة المذمومين بمنعهم ما في أيديهم عن طالبه بقوله : وكلّ مانع مذموم ما خلاه فكانت هاتان القضيّتان مؤكَّدتين للأوليين ، وبرهانهما أنّ التزيّد بالمنع والتنقّص بالإعطاء إنّما يطلق في حقّ من ينتفع ويتضرّر بالزيادة والنقصان والانتفاع والتضرّر على اللَّه محال فالتزيّد والتنقّص عليه محال ، ولأنّهما يقضيان عليه بالحاجة والإمكان ، ولأنّ مقدوراته غير متناهية ، ونبّه بقوله : إذ . على جهة الفرق بينه وبين خلقه ، وإنّما انتقص المعطى من خلقه لحاجته إلى ما يعطيه وانتفاعه به ، وإنّما استحقّ المانع منهم الذمّ دونه سبحانه لكون ما يصدر عنه من منع وإعطاء مضبوطا [ منوطا خ ] بنظام الحكمة والعدل دون غيره من المانعين فإنّ غالب منعهم يكون عن شحّ مطاع وهوى متّبع . واعلم أنّ صدق الكلَّيّة في المنتقصين بالعطاء ظاهر ، وأمّا في المذمومين بالمنع فتحقيقها أنّ كلّ مانع للمال فهو إنّما يمنعه خوف الفقر ونحوه ، وظاهر أنّ الخائف من الفقر في الدنيا محبّ لها وهو بمعزل عن عباد اللَّه المتوكَّلين عليه الزاهدين في متاع الدنيا وقيناتها ، وإذا كان العبد مأمورا بأن يكون من هؤلاء وفي زمرتهم فبالحريّ أن يكون مستحقّا للذمّ على ما يمنعه من ماله فيكون حجابا لوجهه عن النظر إلى وجه اللَّه الكريم فصدق الكلَّيّة إذن ظاهر . وفي أدعية زين العابدين عليه السّلام : يا من لا يزيده كثرة العطاء إلَّا كرما وجودا . وفيه سرّ لطيف فإنّه لمّا كان جوده سبحانه غير متوقّف إلَّا على وجود الاستحقاق ، وكانت كلّ نعمة صدرت عنه معدّة لمحلَّها ومهيّئة له لقبول نعمة أخرى كانت كثرة عطائه مستلزمة لكثرة الاعداد المستلزمة لزيادة الجود .