ابن ميثم البحراني

319

شرح نهج البلاغة

الإفراط والتفريط اللذين هما ككفّتي الميزان مهما رجحت إحداهما فالنقصان لازم والخسران قايم ، وأمّا الميزان الأخروي فأمّا على رأى المتكلَّمين وظاهر الشريعة فظاهر وأمّا على رأى محقّقي السالكين من الصوفيّة فما أشار إليه الإمام الغزّاليّ - رضى اللَّه عنه - كاف في بيانه قال : إنّ تعلَّق النفس بالجسد كالحجاب لها عن حقايق الأمور وبالموت ينكشف الغطاء كما قال تعالى « فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ( 1 ) وممّا ينكشف له تأثير أعماله فيما يقرّبه إلى اللَّه تعالى ويبعّده عنه ، ومقادير تلك الآثار وأنّ بعضها أشدّ تأثيرا من بعض ، وفي قدرة اللَّه تعالى أن يجرى شيئا يعرف الخلق به في لحظة واحدة مقادير الأعمال بالإضافة إلى تأثيراتها في التقريب والإبعاد فحدّ الميزان ما به يتميّز الزيادة والنقصان وإن اختلف مثاله في العالم المحسوس فمنه الميزان المعروف ومنه القبّان والأصطرلاب لحركات الفلك ، والمسطرة لمقادير الخطوط ، والعروض لمقادير حركات الأصوات فهذه كلَّها أمثلة للميزان الحقيقيّ ، وهو ما يعرف به الزيادة والنقصان وهو موجود فيها بأسرها ، وصورته تكون للحسّ عند التشكيك وللخيال بالتمثيل . وقوله : وحاسبوه قبل أن تحاسبوا . محاسبة النفس ضبط الإنسان على نفسه أعمالها الخيريّة والشريّة ليزكَّيها بما ينبغي لها ويعاقبها على فعل ما لا ينبغي ، وهى باب عظيم من أبواب المرابطة في سبيل اللَّه فإنّ للعارفين في سلوك سبيل اللَّه ومرابطتهم مع أنفسهم مقامات خمسة : الأولى : المشارطة ثمّ المراقبة ثمّ المحاسبة ثمّ المعاتبة ثمّ المجاهدة والمعاقبة . وضربوا لذلك مثالا فقالوا : ينبغي أن يكون حال الإنسان مع نفسه كحاله مع شريكه إذا سلَّم إليه ما لا ليتّجر به فالعقل هو التاجر في طريق الآخرة ، ومطلبه وربحه تزكية النفس إذ بذلك فلاحها كما قال تعالى « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » ( 2 ) وإنّما علاجها بالأعمال الصالحة فالعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة إذا يستسخرها فيما يزكَّيها كما يستعين التاجر بشريكه ، وكما أنّ الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج أن يشارطه أوّلا ، ويراقبه ثانيا ، ويحاسبه ثالثا ، ويعاتبه أو يعاقبه

--> ( 1 ) 50 - 21 ( 2 ) 91 - 9