ابن ميثم البحراني

312

شرح نهج البلاغة

ووجه الثالثة أنّ الماء كما أنّه مادّة الشجر وبه حياتها وقيامها في الوجود كذلك مولود تلك اللذّات هي المكاسب والتجارات والصناعات ، وقد كانت العرب خالية من ذلك ، ووجوه باقي الاستعارات ظاهرة . التاسع : دروس أعلام الهدى . وكنّى بأعلام الهدى عن أئمّة الدين ، وكتبه الَّتي بها يهتدى لسلوك سبيل اللَّه وبدروسها عن موت أولئك وعدمهم كناية بالمستعار كما سبق . العاشر : ظهور أعلام الردى . وهم أئمّة الضلال الداعين إلى النار . الحادي عشر : كون الدنيا متجهّمة لأهلها عابسة في وجوه طلَّابها ، وكنّى بذلك عن عدم صفائها فإنّ طيب العيس في الدنيا إنّما يكون مع وجود نظام العدل والتصفية بين أهلها وعدم التظالم وذلك في زمان الفترة مفقود بين العرب ، وهو كناية بالمستعار ، ووجه المشابهة ما يلزمه المستعار عنه وله من عدم تحصيل المطلوب معهما . الثاني عشر : كون ثمرها الفتنة : أي غاية سعيهم فيها على خبط في ظلمات جهلهم إنّما هو الفتنة : أي الضلال عن سبيل اللَّه والتيه في ظلمات الباطل . وغاية كلّ شيء هو مقصوده فتشبه الثمرة الَّتي هي مقصود الشجرة فلذلك استعير لها لفظها . الثالث عشر : وطعامها الجيفة . يحتمل أن يكون لفظ الجيفة هنا مستعارا لطعام الدنيا ولذّاتها ، ووجه المشابهة أنّه لمّا كانت الجيفة عبارة عمّا أنتن وتغيّرت رائحته من جثّة حيوان ونحوها فخبث مأكله ونفر الطبع عنه كذلك طعام الدنيا ولذّاتها في زمان الفترة أكثر ما يكون من النهب والغارة والسرقة ونحوهما ممّا يخبث تناوله شرعا وينفر العقل منه وتأباه كرائم الأخلاق فأشبه ما يحصل من متاعها إذن الجيفة في خبثها وسوء مطعمها وإن كان أحد الخبيثين عقليّا والآخر حسّيا فاستعير لفظها له ، ويحتمل أن يكنّى بالجيفة عمّا كانوا يأكلون في الجاهليّة من الحيوان غير مذكَّى وهو ما حرّمه القرآن الكريم من ذلك في قوله : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والْمُنْخَنِقَةُ والْمَوْقُوذَةُ » : ( 1 ) أي المضروبة بالخشب حتّى تموت ويبقى الدم فيها فيكون

--> ( 1 ) 5 - 4 .