ابن ميثم البحراني
301
شرح نهج البلاغة
وقوله : وبينكم عترة نبيّكم . الواو للحال أيضا فالعامل تعمهون ، أويتاه بكم ، وكذلك الواو في قوله : وهم أزمّة الحقّ : والمعنى كيف يجوز أن تتيهوا في ظلمات الجهل مع أنّ فيكم عترة نبيّكم ، وأراد بعترته أهل بيته عليهم السّلام وإليه الإشارة بقول الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : وخلَّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلَّوا كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض . واستعار لهم لفظ الأزمّة ، ووجه المشابهة كونهم قادة للخلق إلى طريق الحقّ كما يقود الزمام الناقة إلى الطريق ، وكذلك استعار لهم لفظ الألسنة ، ووجه المشابهة كونهم تراجمة الوحي الصادق كما أنّ اللسان ترجمان النفس ، ويحتمل أن يريد بكونهم ألسنة الصدق أنّهم لا يقولون إلَّا صدقا . وقوله : فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن . فاعلم أنّ للقرآن منازل : الأولى القلب . وهو فيه بمنزلتين : إحداهما منزلة الإكرام والتعظيم ، والثانية منزلة التصوّر فقط من دون تعظيم . الثالثة : منزلته في الوجود اللسانيّ بالتلاوة . الرابعة : منزلته في الدفاتر والكتب ، وأحسن منازله هي الأولي . فالمراد إذن الوصيّة بإكرامهم ومحبّتهم وتعظيمهم كما يكرم القرآن بالمحبّة والتعظيم . وقوله : وردوهم ورود الهيم العطاش . إرشاد لهم إلى اقتباس العلوم والأخلاق منهم إذ كانوا معادنها . ولمّا كانت العلماء والأئمّة تشبه بالينابيع ، والعلم يشبه بالماء العذب ، وعادمه بالعطشان حسن منه أن يأمرهم بورودهم وأن يشبه الورود المطلوب منهم بورود الإبل العطاش . وقوله : أيّها الناس . إلى قوله : ببال . لمّا كان عليه السّلام في معرض ذكر الفائدة فكأنّها قد تقدّم ذكرها فلذلك أحسن إبراز الضمير في قوله : خذوها . وإن لم يسبق لها ذكر ، وإشارة النبيّ بهذه الكلمة تقرير لقوله تعالى « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ