ابن ميثم البحراني
293
شرح نهج البلاغة
الجاهلين ، ولفظ المفتاح مستعار للعارف ، ووجه المشابهة ظاهر . ( يح ) ومغاليق أبواب الردى . فأبواب الردى هي أطراف التفريط والإفراط والمسالك الَّتي يخرج فيها عن حدود اللَّه المردي سلوكها في قرار الجحيم . والعارف لمّا سدّ أبواب المنكرات الَّتي يسلكها الجاهلون ولزم طريق العدل لا جرم أشبه المغلاق الَّذي يكون سببا لسدّ الطريق أن يسلك فاستعير لفظه له ، وفي القرينتين مطابقة فالمغاليق بإزاء المفاتيح والردى بإزاء الهدى . ( يط ) قد أبصر أي بنور بصيرته طريقه : أي المأمور بسلوكها والمجذوب بالعناية الإلهيّة إليها وهى صراط اللَّه المستقيم . ( ك ) وسلك سبيله أي لمّا أبصر السبيل سلكها إذ كان السلوك هو المقصود الأوّل . ( كا ) وقد عرف مناره . لمّا كان السالك إلى اللَّه قد لا يستقيم به طريق الحقّ إتّفاقا وذلك كسلوك من لم تستكمل قوّته النظريّة بالعلوم وقد يكون سلوكه بعد استكماله بها . فالسالك كذلك قد عرف بالبرهان مناره : أي أعلامه المقصودة في طريقه الَّتي هي سبب هدايته وهى القوانين الكلَّيّة العمليّة ، ويحتمل أن يريد بالمنار ما يقصده بسلوكه وهو حضرة جلال اللَّه وملائكته المقرّبون . ( كب ) قد قطع غماره وأشار بالغمار إلى ما كان مغمورا فيه من مشاقّ الدنيا وهمومها والتألَّم بسبب فقدها ومجاذبة أهلها لها فإنّ العارف بمعزل عن ذلك والتألَّم بسببه . ( كج ) واستمسك من العرى بأوثقها ومن الحبال بأمتنها . أراد بأوثق العرى وأمتن الحبال سبيل اللَّه وأوامره استعارة ووجه المشابهة أنّ العروة كما تكون سببا لنجاة من تمسّك بها وكذلك الحبل ، وكان أجودها ما ثبت وتمتن ولم ينفصم كذلك طريق اللَّه المؤدّى إليه يكون لزومه والتمسّك بأوامره سببا للنجاة من أهوال الآخرة وهى عروة لا انفصام لها وأوامرها حبال لا انقطاع لها ، وإليها الإشارة بقوله تعالى « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها » ( 1 ) . ( كد ) فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس أي فكان بتمسّكه بأوامر اللَّه ونواهيه
--> ( 1 ) 2 - 257