ابن ميثم البحراني
291
شرح نهج البلاغة
السادس : وقرّب على نفسه البعيد . يحتمل وجهين : أحدهما : أن يشير بالبعيد إلى رحمة اللَّه فإنّها بعيدة من غير مستحقّها والمستحقّ لقبولها قريبة ممّن حسن عمله وكمل قبوله فالعبد إذا راض بالأعمال الصالحة نفسه وأعدّها قرى يومه كانت رحمة اللَّه على غاية من القرب منه كما قال تعالى « إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » ، الثاني : يحتمل أن يريد بالبعيد أمله الطويل في الدنيا وبتقريبه له على نفسه تقصيره له بذكر الموت دون بلوغه كما سبق . السابع : كونه قد هوّن الشديد . ويحتمل أيضا معنيين : أحدهما : أن يريد بالشديد أمر الآخرة وعذاب الجحيم وتهوينه لها بالأعمال الصالحة واستشراف أنوار الحقّ وظاهر كونها مهوّنة لشديد عذاب اللَّه ، الثاني : أن يريد بالشدائد شدائد الدنيا من الفقر والاهتمام بالمصائب الَّتي تنزل به من الظلم وفقد الأحبّة والأقرباء ونحو ذلك وتهوينه لذلك تسهيله على خاطره واستحقاره في جنب ما يتصوّره من الفرحة بلقاء اللَّه وما أعدّ له من الثواب الجزيل في الآخرة كما قال تعالى « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ والأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ » ( 1 ) الثامن : كونه نظر : أي تفكَّر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق اللَّه من شيء فأبصر : أي فشاهد الحقّ سبحانه في عجائب مصنوعاته بعين بصيرته . التاسع : وذكر فاستكثر أي ذكر ربّه ومعاده فاستكثر من ذكره حتّى صار الذكر ملكة له ويجلَّي المذكور في أطوار ذكره لمرآة سرّه . والاستكثار من الذكر باب عظيم من أبواب الجنّة . العاشر : كونه ارتوى من عذب فرات . شبّه العلوم والكمالات النفسانيّة الَّتي تفاض على العارف بالماء الزلال فاستعار له لفظ العذوبة ، ورشّح تلك الاستعارة بذكر الارتواء ، وقد سبق وجه هذه الاستعارة مرارا . ( يا ) كونه سهلت له موارده . الفايزون لقصب السبق في طرائق اللَّه لا ينفكَّون عن تأييد إلهيّ بخاصيّة مزاجيّة لهم بها سرعة الاستعداد لقبول الكمالات الموصلة إليه .
--> ( 1 ) 2 - 152