ابن ميثم البحراني

264

شرح نهج البلاغة

صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : إنّ المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فينسلّ روحه كما تسلّ الشعرة من العجين ويقال : أيّتها النفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة إلى روح اللَّه وكرامته فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليه الحريرة وبعث بها إلى علَّيين ، وإنّ الكافر إذا احتضر أمر اللَّه الملائكة بمسح فيه جمرة فنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال : أيّتها النفس الخبيثة ارجعي ساخطة مسخوطا عليك إلى هوان اللَّه وعذابه فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وكان لها نشيش ، ويطوى عليها ذلك المسح ، ويذهب بها إلى سجّين . واعلم أنّ تلك الجذبة تعود إلى ما يجده الميّت حال النزع وهو عبارة عن ألم ينزل بنفس الروح يستغرق جميع أجزائه المنتشرة في أعماق البدن وليس هو كسائر ما يجده الروح المختصّ ببعض الأعضاء كعضو شاكته شوكة ونحوه لاختصاص ذلك بموضع واحد فألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه وهو المجذوب من كلّ عرق وعصب وجزء من الأجزاء ومن أصل كلّ شعرة وبشرة . ولا تسئلنّ عن بدن يجذب منه كلّ عرق من عروقه ، وقد يمثّل ذلك بشجرة شوك كانت داخل البدن ثمّ جذبت منه فهي الجذبة المكربة ، ولمّا كان موت كلّ عضو من البدن عقيب الأمراض الَّتي ربّما طالت تدريجا فتلك هي السوقة المتعبة . الحادي عشر : قوله : رجيع وصب ونضو سقم . استعار له وصفى الجمل فالرجيع باعتبار كونه قد ردّد في أطوار المرض وتواتر عليه كما يردّد الجمل في السفر مرّة بعد أخرى ، ولفظ النضو باعتبار نحو له من الأسقام كما ينحل الأسفار الجمل . الثانية عشر : قوله : اقعد في حفرته نجيّا لبهتة السؤال . إلى آخره . أقول : القول بعذاب القبر وسؤال منكر ونكير حقّ روى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال لعمر : يا بن الخطَّاب كيف بك إذا أنت متّ فانطلق بك قومك فقاسوا لك ثلاثة أذرع في ذراع وشبر ثمّ رجعوا إليك فغسّلوك وكفنّوك ثمّ احتملوك حتّى يضعوك فيه ثمّ يهيلوا عليك التراب فيدفنوك فإذا انصرفوا عنك أتاك فتّانا القبر منكرا ونكيرا أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف يجرّان أشعارهما ويحيثان