ابن ميثم البحراني

255

شرح نهج البلاغة

واحْتَجَّ بِمَا نَهَجَ - وحَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً - ونَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِيّاً فَأَضَلَّ وأَرْدَى ووَعَدَ فَمَنَّى - وزَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ وهَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ - حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ واسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ - أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ واسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وحَذَّرَ مَا أَمَّنَ أقول : المزلق : الموضع الَّذي لا تثبت عليه قدم . والدحض : الزلق . والتهجدّ : العبادة بالليل . والغرار : النوم القليل ، وأرجف : أسرعه . والمخالج : الأمور المشغلة الجاذبة ، وأكمش : أمضى عزمه ومضى قدما لم يعرج . واعلم أنّ الصراط الموعود به في القرآن الكريم حقّ يجب الإيمان به وإن اختلف الناس في حقيقته ، وظاهر الشريعة والَّذي عليه جمهور المسلمين ومن أثبت المعاد الجسمانيّ يقتضى أنّه جسم في غاية الدقّة والحدّة ممدود على جهنّم وهو طريق إلى الجنّة يجوزه من أخلص للَّه . ومن عصاه سلك عن جنبتيه أحد أبواب جهنّم ، وأمّا الحكماء فقالوا بحقيّته . وما يقال في حقّه : إنّه كالشعر في الدقّة فهو ظلم بل نسبة الشعرة إليه كنسبتها إلى الخطَّ الهندسي الفاصل بين الظلّ والشمس الَّذي ليس من أحدهما فهو كذلك الخط الَّذي لا عرض له أصلا ، وحقيقته هو الوسط الحقيقيّ بين الأخلاق المتضادّة كالسخاوة بين التبذير والبخل ، والشجاعة بين التهوّر والجبن ، والاقتصاد بين الإسراف والتقتير ، والتواضع بين التكبّر والمهانة ، والعفّة بين الشهوة والخمود ، والعدالة بين الظلم والانظلام . فالأوساط بين هذه الأطراف المتضادّة هي الأخلاق المحمودة ، ولكلّ واحد منها طرفا تفريط وإفراط هما مذمومان ، وكلّ واحد منها هو غاية البعد بين طرفيه وليس من طرف الزيادة ولا من طرف النقصان . قالوا : وتحقيق ذلك أنّ كمال الإنسان في التشبّه . بالملائكة وهم منفكَّون عن هذه الأوصاف المتضادّة وليس في إمكان الإنسان الانفكاك عنها بالكلَّية فغايته التباعد عنها إلى الوسط تباعدا يشبه