ابن ميثم البحراني
25
شرح نهج البلاغة
ويتخذّ منهما خبزا ، وروى أنّهم كانوا في أيّام المجاعة يلوّثون أوبار الإبل بدم القراد ويجفّفونها فإذا يبست وقوها وصنعوها طعاما ، وأمّا في سفكهم الدماء بعضهم لبعض وقطع أرحامهم فظاهر أيضا فإنّ الولد كان يقتل أباه وبالعكس ، وأمّا نصبهم للأصنام وعصب الآثام بهم في جاهليّتهم فغني عن البيان ، ولفظ العصب مستعار للزوم الآثام لهم في تلك الحال عن معناه الأصلي وهي استعارة لفظ للنسبة بين محسوسين للنسبة بين معقولين أو بين معقول ومحسوس ، وإنّما ذكرهم عليه السّلام بهذه الأحوال لينبّههم لنسبة ما كانوا عليه في الجاهليّة إلى ما هم عليه في تلك الحال من أضداد ذلك كلَّه . إذ بدّلوا ممّا كانوا فيه من فساد أحوالهم في الدنيا إلى صلاح حالهم فيها ففتحو المدن وكسروا الجيوش وقتلوا الملوك وغنموا أموالهم كما قال تعالى في المنّة عليهم وتذكيرهم أنواع ما أنعم عليهم به « وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيارَهُمْ وأَمْوالَهُمْ وأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها » وجعل لهم الذكر الباقي والشرف الثابت . كلّ ذلك زيادة على هدايته لهم إلي الإسلام الَّذي هو طريق دار السلام وسبب السعادة الباقية . وإنّما كان ذلك لسبب مقدم محمّد صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم إليهم واعلم أنّ سياق هذا الكلام يقتضى مدح النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم فيما حذف من الفصل بعده ليبني عليه مقصودا له ، وفيه تنبيه على دوام ملاحظة السامعين لنعماء اللَّه عليهم فيلاحظوا استحقاقه لتمام العبادة عامّة أحوالهم ، ويكونون في وجل من خوفه وفي وشوق إليه . واللَّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقم . ومنها . فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي - فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ - وأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا - وصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ - وعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ أقول : ضننت بكسر النون : أي بخلت ، ونقل الفرّاء بالفتح أيضا . وأغضيت على كذا : أي أطبقت عليه جفني . والقذى : ما يسقط في العين فيؤذيها . والشجى : ما يعرض في الحلق عند الغبن ونحوه لا يكاد يسيغ الإنسان معه الشراب ، وقد مرّ تفسيرهما . وأخذ بكظمه : أي بمجرى نفسه ، والعلقم : شجر بالغ المرارة ، ويصدق بالعرف على كلّ مرّ .