ابن ميثم البحراني
245
شرح نهج البلاغة
« فَرْداً » ( 1 ) إي مجرّدا عن استصحاب غيره معه من أهل ومال . السابع : أنّهم مدينون أجزاء ومن شأنهم ذلك . والجزاء مصدر نصب بغير فعله . الثامن : أنّ من شأنهم أن يميّزوا حسابا : أي يحصون عددا كقوله تعالى « لَقَدْ أَحْصاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدًّا » ( 2 ) وحسابا أيضا مصدر نصب عن غير فعله . التاسع : كونهم قد أمهلوا في طلب المخرج : أي إنّما أمهلوا في الدنيا لطلب خلاصهم وخروجهم من ظلمات الجهل وورطات المعاصي إلى نور الحقّ ومتّسع الجود . العاشر : كونهم قد هدوا سبيل المنهج : أي ألهموا بأصل فطرتهم ، ودلَّوا بالأعلام الواضحة من الأنبياء والشرائع على الطريق إلى حضرة قدس اللَّه والجنّة . الحاد عشر : كونهم قد عمّروا مهل المستعتب . لمّا كان من يطلب استعتابه ويقصد رجوعه عن غيّه يمهل ويداري طويلا كانت مهلة اللَّه سبحانه لخلقه مدّة أعمارهم ليرجعوا إلى طاعته ويعملوا صالحا تشبه ذلك فنزّلت منزلته . ومهل نصب على المصدر لأنّ التعمير إمهال . الثاني عشر : كونهم قد كشفت عنهم سدف الريب : أي أزال عن أبصار بصائرهم ظلم الشكوك والشبهات والجهالات بما وهبه لهم من العقول وأيّدهم من بعثة الرسل . الثالث عشر : كونهم قد خلَّوا لمضمار الجياد أي تركوا في الدنيا ليضمروا أنفسهم بأزواد التقوى ، ولمّا استعار لفظ المضمار رشّح بذكر الجياد . إذ شرف المضمار أن تحلّ به جياد الخيل . وفيه تنبيه لهم على أن يكونوا من جياد مضمارهم . وقد سبق وجه الاستعارة ، ومعنى التضمير في قوله : ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السباق . وكذلك خلَّوا لرؤيّة الارتياد : أي ليتفكَّروا في طلب ما يتخلَّصون به إلى اللَّه تعالى من ساير طاعاته ، وكذلك ليتأنّوا أناة المقتبس للأنوار الإلهيّة الطالب للاستنارة بها في مدّة آجالهم ومحلّ اضطرابهم في مهلتهم وتحصيلهم لما ينبغي لهم من الكمالات . ومن ملك من عبيده هذه الحالات وأفاض عليهم ضروب هذه الإنعامات فكيف يليق بأحدهم أن
--> ( 1 ) 19 - 96 ( 2 ) 19 - 95