ابن ميثم البحراني
229
شرح نهج البلاغة
والمشارب والمناكح والمراكب ، وما يظهر في لوح نفسه من محبّة ذلك فيعوقه عن اللحوق بالمجرّدين عنها الَّذين لم يتصرّفوا فيها تصرّف الملَّاك فلم يكتب عليه في شيء منها ما يحاسبون عليه . وإليه إشارة سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ الفقراء ليدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمس مائة عام ، وإنّ فقراء أمّتي ليدخلون الجنّة سعيا ، وعبد الرحمن يدخلها حبوا . وما ذاك إلَّا لكثرة حساب الأغنياء بتعويقهم بثقل ما حملوا من محبّة الدنيا وقيناتها عن اللحوق بدرجة المخفّين منها . وقد عرفت كيفيّة الحساب . الرابع : كونها في حرامها عقاب . وهو تنفير عمّا يوجب العقاب من الآثام بذكره . الخامس : كونها من استغنى فيها فتن : أي كانت محبّته لما اقتنى فيها سببا لفتنته وضلاله عن سبيل اللَّه كما قال تعالى « وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ فتنة » ( 1 ) . السادس : كونها من افتقر فيها حزن . وظاهر أنّ الفقير الطالب للدنيا غير الواجد لها في غاية المحنة والحزن على ما يفوته منها ، وخاصّة ما يفوته بعد حصوله له . السابع : من ساعاها فاتته . وأقوى أسباب هذا الفوات أنّ تحصيلها أكثر ما يكون بمنازعة أهلها عليها ومجاذبتهم إيّاها ، وقد علمت ثوران الشهوة والغضب والحرص عند المجاذبة للشيء وقوّة منع الإنسان له . وتجاذب الخلق للشيء وعزّته عندهم سبب لتفويت بعضهم له على بعض ، وفيه تنبيه على وجوب ترك الحرص عليها والإعراض عنها . إذ كان فواتها اللازم عن شدّة السعي في فضلها مكروها للسامعين . الثامن : كونها من قعد عنها واتته . وهو أيضا جذب إلى القعود عنها وتركها وإن كان الغرض مواتاتها كما يفعله أهل الزهد الظاهريّ المشوب بالرياء ، وقد علمت أنّ الزهد الظاهريّ مطلوب أيضا للشارع إذ كان وسيلة إلى الزهد الحقيقيّ كما قال الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الرياء قنطرة الإخلاص . وقد راعى في القرائن السجع المتوازي . التاسع : من أبصر بها بصّرته : أي من جعلها سبب هدايته وبصره استفاد منها البصر والهداية ، وذلك أنّك علمت أنّ مقصود الحكمة الإلهيّة من خلق هذا البدن وما فيه من الآلات والمنافع إنّما هو استكمال نفسه باستخلاص العلوم الكلَّيّة وفضايل
--> ( 1 ) 8 - 28