ابن ميثم البحراني

216

شرح نهج البلاغة

علم النجوم . واعلم أنّ الَّذي يلوح من سرّ نهى الحكمة النبوّية عن تعلَّم النجوم أمران : أحدها : اشتغال متعلَّمها بها ، واعتماد كثير من الخلق السامعين لأحكامها فيما يرجون ويخافون عليه فيما يسنده إلى الكواكب والأوقات ، والاشتغال بالفزع إليه وإلى ملاحظة الكواكب عن الفزع إلى اللَّه والغفلة عن الرجوع إليه فيمايهمّ من الأحوال وقد علمت أنّ ذلك يضادّ مطلوب الشارع إذ كان غرضه ليس إلَّا دوام التفات الخلق إلى اللَّه وتذكَّرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إليه . الثاني : أنّ الأحكام النجوميّة إخبارات عن أمور سيكون وهى تشبه الاطَّلاع على الأمور الغيبيّة . وأكثر الخلق من العوامّ والنساء والصبيّان لا يتميّزون بينها وبين علم الغيب والإخبار به . فكان تعلَّم تلك الأحكام والحكم بها سببا لضلال كثير من الخلق موهنا لاعتقاداتهم في المعجزات إذ الإخبار عن الكائنات منها ، وكذلك في عظمة بارئهم . ويسلكهم في عموم صدق قوله تعالى « قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله » و « عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ » ( 1 ) وقوله « إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ » ( 2 ) فالمنجّم إذا حكم لنفسه بأنّه يصيب كذا في وقت كذا فقد ادّعى أنّ نفسه تعلم ما تكسب غدا وبأيّ أرض تموت . وذلك عين التكذيب للقرآن ، وكأنّ هذين الوجهين هما المقتضيان لتحريم الكهانة والسحر والعزائم ونحوها ، وأمّا مطابقة لسان الشريعة للعقل في تكذيب هذه الأحكام فبيانها أنّ أهل النظر أمّا متكلَّمون فإمّا معتزلة أو أشعريّة . أمّا المعتزلة فاعتمادهم في تكذيب المنجّم على أحد أمرين : أحدهما : أنّ الشريعة كذّبته . وعندهم أنّ كلّ حكم شرعيّ فيشتمل على وجه عقليّ وإن لم يعلم عين ذلك الوجه ، والثاني مناقشته في ضبطه لأسباب ما أخبر عنه من كون أو فساد . وأمّا الأشعريّة فهم وإن قالوا : إنّه لا مؤثّر له إلَّا اللَّه وزعم بعضهم أنّهم خلصوا بذلك من إسناد التأثيرات إلى الكواكب إلَّا أنّه لا مانع على مذهبهم أن يجعل اللَّه

--> ( 1 ) ( 2 ) 31 - 34 ( 2 ) 31 - 34