ابن ميثم البحراني
21
شرح نهج البلاغة
قبول أوامر اللَّه . وقوله : اللهمّ إني قد مللتهم وملَّوني . شكاية إلى اللَّه سبحانه منهم وعرض لما في ضميره وضمائرهم بحسب ما شهدت به قرائن أحوالهم ، والملال والسأم مترادفان . وحقيقته إعراض النفس عن شيء إمّا لفتور القوى البدنيّة وكلالها عن كثرة الأفاعيل ، وإمّا لاعتقاد النفس عن دليل وإمارة يتبيّن لها أنّ ما يطلبه غير ممكن لها . وهذان السببان كانا موجودين : أمّا سأمه عليه السّلام من أفعالهم ( أفعاله خ ) فإنّه لم يشك منهم ولم يدع عليهم حتّى عجزت قواه عن التطلَّع إلى وجوه إصلاحهم وانصرفت نفسه عن معالجة أحوالهم لاعتقاد أنّ تقويمهم غير ممكن له ، وأمّا سأمهم منه فإمّا لاعتقادهم أنّ مطلوباتهم الَّتي كانوا أرادوه لها غير ممكنة منه ، أو لكثرة تكرار أوامره بالجهاد والذبّ عن دين اللَّه والمواظبة على أوامر اللَّه وزيادتها على قواهم الضعيفة الَّتي هي مع ضعفها مشغولة بغير اللَّه . فلذلك تنصرف نفوسهم عن قبول قوله وامتثال أوامره ، ثم أردف تلك الشكاية بالتضرّع إلى اللَّه تعالى في الخلاص منهم ، ثمّ الدعاء عليهم فدعا اللَّه لنفسه أوّلا أن يبدله خيرا منهم أمّا في الدنيا : قوما صالحين ينظرون بنور اللَّه نعمه عليهم فيخلصوا له الدين ، وأمّا في الآخرة : قوما غرقوا في مطالعة أنوار كبرياء اللَّه فأعطاهم أعلى منازل جنّته وأسنى مراتب كرامته : قوما « وَمَنْ يُطِعِ الله والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ و » . وطلبه الخير منهم في الدنيا هو الأرجح في الذهن . لما يتمنّاه بعد من فوارس بنى فرس . ثمّ دعا اللَّه عليهم أن يبدلهم شرّا منه . فإن قلت : إنّ صدور مثل هذا الدعاء منه عليه السّلام مشكل من وجهين : أحدهما : أنّه يقتضى أن يكون هو ذا شرّ . وقد ثبت أنّه كان منزّها عن الشرور ، الثاني أنّه كيف يجوز منه أن يدعو بوجود الشرور ووجود الأشرار . قلت : الجواب عن الأوّل من وجهين : أحدهما : أنّ صيغة أفعل التفصيل كما ترد لإثبات الأفضلية كذلك قد ترد لإثبات الفضيلة . وحينئذ يحتمل أن يكون مراده من قوله : شرا منّي : أي أبدلهم بمن فيه شرّ غيرى ، الثاني : أن يكون شرّا منّي على عقائدهم أنّ فيه شرّا عليهم . واعتقادهم أنّه ذو شرّ لا يوجب كونه كذلك ، وعن الثاني من وجهين : أحدهما : أنّه لمّا كان في دعاء اللَّه أن يبدلهم من هو شرّ منه مصلحة تامّة حسن منه ذلك ، وبيان المصلحة من وجهين : أحدهما : أنّ ذلك الدعاء منه عليهم بمشهد منهم ومسمع من أعظم الأسباب المخوّفة الجاذبة لأكثرهم