ابن ميثم البحراني

200

شرح نهج البلاغة

قبس القابس : أي اشتعل أنوار الدين وقدح زناد الأفكار حتّى أظهر أنوار العلوم منها للمقتبسين ، واستعار لفظ القبس لنور العلم والحكمة ، ولفظ الورى لإظهار الرسول لتلك الأنوار في طريق اللَّه ، وقد سبق وجه الاستعارة . السادس عشر : كونه أضاء الطريق للخابط . فالطريق هي طريق الجنّة والحضرة الإلهيّة ، وإضاءته لها بإظهار تلك الأنوار وبيانها بتعليم كيفيّة سلوكها والإرشاد إليها ، والخابط هو الجاهل الَّذي قصدت الحكمة الإلهيّة إرشاده حيث كان يخبط في ظلمات الجهل . السابع عشر : كونه قد هديت به القلوب إلى موضحات الأعلام : أي الأدلَّة الواضحة على الحقّ . ونيّرات الأحكام هي المطالب الحقّة الواضحة اللازمة من تلك الأدلَّة بعد ما كانت القلوب فيه من خوضات الفتن والآثام اللازمة عمّا اجترحته من السيّئات . وذلك أمر ظاهر . الثامن عشر : كونه أمين اللَّه : أي على وحيه ورسالته ، والمأمون تأكيد لأمانته . وقد عرفت معنى الأمانة . التاسع عشر : كونه خازن علمه المخزون : أي علومه اللدنيّة الغيبيّة الَّتي لا يتأهّل لحملها كلّ البشر المشار إليها بقوله تعالى « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » ( 1 ) . العشرون : كونه شهيدا يوم الدين كقوله تعالى « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً » ( 2 ) أي شاهدا يقوم القيامة على أمّته بما علم منهم من خير وشرّ . فإن قلت : ما حقيقة هذه الشهادة وما فايدتها مع أنّ اللَّه تعالى عالم الغيب والشهادة . قلت : أمّا حقيقتها فيعود إلى اطَّلاعه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم على أفعال أمّته ، وبيان ذلك أنّك علمت فيما سلف أنّ للنفوس القدسيّة الاطَّلاع على الأمور الغايبة والانتقاش بها مع كونه في جلابيب في أبدانها فكيف بها إذا فارقت هذا العالم والجسم المظلم فإنّها إذن تكون

--> ( 1 ) 11 - 107 ( 2 ) 4 - 35