ابن ميثم البحراني
198
شرح نهج البلاغة
بحسب القضاء الإلهيّ كما قال تعالى « وَنَفْسٍ وما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » ( 1 ) وقوله « وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » أي ألهمناه معرفة سلوك طريقي الخير والشرّ . وأهل العرفان كثيرا ما يعتبرون عن النفس بالقلب . وشقيّها . بدل من القلوب : أي خالق شقىّ القلوب وسعيدها على فطراتها المكتوبة في اللوح المحفوظ فمن أخذت العناية الإلهيّة بزمام عقله على وفق ما كتب له فأعدّته لقبول الهداية لسلوك سبيل اللَّه فهو السعيد ، ومن لحقته حبايل القضاء الإلهيّ فحطَّته إلى مهاوي الهلكة فذلك هو الشقّي البعيد . وإليه الإشارة بقوله تعالى « يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ » ( 2 ) الآية . وقوله : واجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمّد عبدك ورسولك . بعض مطلوباته من هذا الدعاء . وشرايف صلواته ما عظم من رحمته وكمال جوده على النفوس المستعدّة لها ، ونوامي بركاته ما زاد منها . الفصل الثاني : ذكر للنبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم أحد وعشرين وصفا على جهات استحقاق الرحمة من اللَّه وزيادة البركة المدعوّ بها . الأوّل : كونه عبدا للَّه وظاهر كون العبوديّة جهة لاستحقاق الرحمة . الثاني : كونه رسولا له والرسالة نوع خاصّ من الاستعباد توجب مزيد الرحمة والشفقة . الثالث : كونه خاتما لما سبق من أنوار الوحي والرسالة بنوره وما جاء من الدين الحقّ . وظاهر كون ذلك جهة استعداد منه لقبول الرحمة ودرجات الكمال . الرابع : كونه فاتحا لما انغلق من سبيل اللَّه قبله وطريق جنّته وحضرة قدسه باندراس الشرائع ففتح صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم تلك السبيل بشرعه وكيفيّة هدايته للخلق فيها . الخامس : كونه قد أظهر الحقّ بالحقّ . والأوّل هو الدين وما يدعو إليه ، والثاني فيه أقوال : فقيل : هو المعجزات إذ بسببها تمكَّن من إظهار الدين ، وقيل : الحرب والخصومة يقال فلان حاقّ فلانا فحقّه : أي خاصمه فغلبه ، وقيل : هو البيان : أي أظهر الدين بالبيان الواضح . وأقول : الأشبه أنّه أراد : أظهر الحقّ بعضه ببعض . وكلّ جزئيّ
--> ( 1 ) 91 - 8 ( 2 ) 11 - 107