ابن ميثم البحراني

194

شرح نهج البلاغة

برّ أو بحر أو سهل أو جبل ولا سماء ولا أرض إلَّا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أيّ شيء أنزلت . قال رجل من تحت المنبر : يا للَّه وللدعوى الكاذبة . وكذلك لمّا قال : سلوني قبل أن تفقدوني أما واللَّه لتشعرنّ الفتنة الغماء برجلها ويطأ في خطامها يا لها فتنة شبّت نارها بالحطب الجزل مقبلة من شرق الأرض رافعة ذيلها داعية ويلها بدجلة أو حولها ذاك إذا استدار الفلك وقلتم مات أو هلك بأيّ واد سلك . فقال قوم من تحت منبره : للَّه أبوه ما أفصحه كاذبا . وكأنّها إشارة إلى واقعة التتار . وقابل دعواهم بأمرين : أحدهما : الدعاء عليهم بقتال اللَّه لهم ، وقد علمت أنّ قتاله يعود إلى مقته وإبعادهم عن رحمته . الثاني : الحجّة وتقريرها : أنّ الَّذي أخبركم به من هذه الأمور إنّما هو عن اللَّه وعن رسوله صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم فلو كذبت فيه لكذبت إمّا على اللَّه وهو باطل لأنّي أوّل من آمن به وأوّل مؤمن به لا يكون أوّل مكذّب له ، أو على نبيّه وهو باطل لأنّي أوّل من صدّقه واتّبع ملته . وقوله : كلَّا واللَّه . ردّ لصدق دعواهم بعد الحجّة كأنّه قال : فإذن دعواكم علىّ الكذب فيما أخبركم به باطلة . وقوله : ولكنّها لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها . يريد به بيان منشأ دعويهم الفاسدة لتكذيبه ، وذلك كون ما يقوله ويخبر به من الأمور المستقبلة ونحوها طورا وراء عقولهم الضعيفة الَّتي هي بمنزلة أوهام ساير الحيوان وليسوا لفهم أسرارها بأهل . وأشار باللهجة إلى تلك الأقوال وأسرارها وبغيبتهم عنها إلى غيبة عقولهم عن إدراكها ومعرفة إمكانها في حقّ مثله أو إلى غيبتهم عنها عند إلقاء الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم قوانينها الكلَّية إليه وتعليمه لأبوابها وتفصيل ما فصّل منها له . وظاهر أنّه لمّا كانت عقول أولئك وأمثالهم مقهورة تحت سلطان أوهامهم وكان الوهم مكذّبا ومنكرا لمثل هذه الأحكام لا جرم لم تنتهض عقولهم لتصديقه عليه السّلام فيها ولم تجوّز اطَّلاعه عليها بل تابعت أوهامهم في الحكم بتكذيبه . وحاله في ذلك مختصرة من حال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم