ابن ميثم البحراني
176
شرح نهج البلاغة
والعجز والخوف وأنّه لا عجز فلا استعانة فلا ندّ ولا شريك ولا ضدّ ، وكذلك نقول : لا ندّ ولا شريك ولا ضدّ فلا استعانه والغرض تنزيهه سبحانه عن صفات المخلوقين وخواصّ المحدثين . وقوله : ولكن خلايق مربوبون وعباد داخرون . أي بل خلايق خلقهم بمحض جوده وهو فيضان الخير عنه على كلّ قابل بقدر ما يقبله من غير بخل ولا منع وتعويق ، وبذلك الاعتبار كان كلّ شيء وكلّ عبد ذليل وهو مالكه ومولاه : وقوله : لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن . إشارة إلى وصفه بسلب كونه ذا محلّ . وللناس في تنزيهه تعالى عن المحلّ كلام طويل . والمعقول من الحلول عند الجمهور قيام موجود بموجود على سبيل التعبية له ، وظاهر أنّ الحلول بهذا المعنى على الواجب الوجود محال لأنّ كونه تبعا للغير يستلزم حاجته إليه وكلّ محتاج ممكن . قال أفضل المتأخّرين نصير الدين الطوسي - أبقاه اللَّه - : والحق أنّ حلول الشيء في الشيء لا يتصوّر إلَّا إذا كان الحال بحيث لا يتعيّن إلَّا بتوسّط المحل وإذ لا يمكن أن يتعيّن واجب الوجود بغيره فإذن يستحيل حلوله في غيره . إذا عرفت ذلك فنقول : لمّا كان الكون في المحلّ والنائي عنه والمباينة له أمورا إنّما يقال على ما يصحّ حلوله فيه ويحلَّه وكان هو تعالى منزّها عن الحلول وجب أن يمتنع عليه إطلاق هذه الأمور . فإذ ليس هو بحالّ في الأشياء فليس هو بكائن فيها ، وإذ ليس بكائن فيها فليس بنائي عنها ولا مباين لها . وقوله : لم يؤده خلق ما ابتدء ولا تدبير ما ذرء . الإعياء إنّما يقال لذي الأعضاء من الحيوان وإذ ليس تعالى بجسم ولا ذي آلة جسمانيّة لم يلحقه بسبب فعله إعياء ، وإنّما قال : ما ابتدء . ليكون سلب الإعياء عنه أبلغ إذ ما ابتدء من الأفعال يكون المشقّة فيه أتمّ وتدبيره يعود إلى تصريفه لجميع الذوات والصفات دائما تصريفا كلَّيّا وجزئيّا على وفق حكمته وعنايته ، ونحوه قوله تعالى « أَو لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ » ( 1 ) .
--> ( 1 ) 46 - 32