ابن ميثم البحراني

166

شرح نهج البلاغة

والأمر بنصيحة النفس أمر بالنظر في مصالحها ، والشعور عليها أن تعمل ما هو الأولى بها من التمسّك بحدود اللَّه والوقوف عندها ، والأمر بتقديم التوبة وغلب الشهوة هو من جملة الأمر بالنصيحة كالتفسير له ومن لوازم التقوى أردفه بهما ، وأراد تقديم التوبة على الموت أو بالنسبة إلى كلّ وقت سيحضر . وقوله : فإنّ أجله . إلى قوله : شقوة . حثّ على امتثال أو أمره السائقة إلى التوبة وغيرها ، وتحذير من هجوم المنيّة على غفلة لما يستلزمه ذلك من شدّة الحسرة وطول الندم على التفريط ، وذلك أنّ ستر الأجل عن الإنسان موجب للغفلة عنه فإذا انضاف إلى ذلك خداع الأمل الناشئ عن وساوس الشيطان في تزيينه المعصية وتسويفه التوبة مع كون موكَّلا به وقرينا له كما قال سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ما من مولود إلَّا ويولد معه قرين من الشيطان . كانت الغفلة أشدّ والنسيان أكدّ ، واستعار لفظ الخداع لصورته من النفس الأمّارة بالسوء وهو قولها للإنسان مثلا : تمتّع من شبابك واغتنم لذّة العيش ما دمت في مهلة ومستقبل من عمرك وستلحق للتوبة ، ونحو ذلك من الأضاليل فإنّ هذه الصورة خداع من الشيطان ، وأمّا نسبة ذلك إلى الأمل فلأنّ الأمل هو عزم النفس على فعل تلك الأمور وأمثالها في مستقبل الأوقات عن توهّم طول مدّة الحياة واتّساعها لما تفعله فيها من معصية وتوبة ، وذلك العزم من أسباب الانخداع للشيطان وغروره فلذلك نسب الخداع إلى الأمل مجازا ، وجعل غاية ذلك الخداع هو أن تهجم على المخدوع منيّته حال ما هو في أشدّ غفلة عنها واشتغال بما يؤمّله فيكون ذلك مستلزما لأعظم حسرة وأكبر ندامة على أن يكون عمره عليه حجّة شاهدا بلسان حاله على ما اكتسب فيه من الآثام فصار بعد أن كان وسيلة لسعادته سببا لشقاوته . وأغفل نصب على الحال . وحسرة على التميز للمتعجّب منه المدعوّ . واللام في لها قيل : للاستغاثة . كأنّه قال : يا للحسرة على الغافلين ما أكثرك ، وقيل : بل لام الجرّ فتحت لدخولها على الضمير والمنادى محذوف وتقديره يا قوم أدعوكم لها حسرة ، وأن في موضع النصب بحذف الجارّ كأنّه قيل : فعلام يقع عليهم الحسرة فقال : على كون أعمارهم حجّة عليهم يوم القيامة .