ابن ميثم البحراني
158
شرح نهج البلاغة
باللَّه التوفيق . 60 - ومن خطبة له عليه السّلام أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا - ولَا يُنْجَى بِشَيْءٍ كَانَ لَهَا - ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً - فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وحُوسِبُوا عَلَيْهِ - ومَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وأَقَامُوا فِيهِ - فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظِّلِّ - بَيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً حَتَّى قَلَصَ وزَائِداً حَتَّى نَقَصَ أقول : بينا : أصله بين بمعنى التوسّط فاشبعت الفتحة فحدثت ألف ، وقد تزاد ما فيقال بينما والمعنى واحد ، وتحقيق الظرفيّة هنا أنّ الظلّ دائر بين السبوغ والتقلَّص والزيادة والنقصان . وقلص الظلّ نقص . والغرض من هذا الفصل التحذير من الدنيا والتنبيه على وجوب لزوم أوامر اللَّه فيها . وأشار إلى ذلك في أوصاف لها : الأوّل : كونه لا يسلم منها إلَّا فيها . وتحقيق ذلك أنّه لا دار إلَّا الدنيا والآخرة ، وقد علمت أنّ أسباب السلامة هي الزهد والعبادة وسائر أجزاء الرياضة وشئ منها لا يمكن في الآخرة بل كلَّها أعمال متعلَّقة بالبدن فإذن لا يتحقّق ما يلزمها من السلامة من الدنيا إلَّا في الدنيا . الثاني : كونها لا ينجى بشيء كان لها . وفيه إيماء إلى ذمّ الرياء في الأقوال والأفعال وتحذير من كلّ عمل وقول قصد به الدنيا فإنّ شيئا من ذلك لا حظَّ له في استلزام النجاة في الآخرة بل ربّما كان سببا للهلاك فيها لما أنّ الاشتغال بمهمّات الدنيا منس للآخرة . الثالث : كونها قد ابتلى الناس بها فتنة . وفتنة منصوب بالمفعول له ، ويحتمل