ابن ميثم البحراني

143

شرح نهج البلاغة

وفي فضل الأضحيّة أخبار كثيرة روى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : ما من عمل يوم النحر أحبّ إلى اللَّه عزّ وجلّ من إراقة دم ، وإنّها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأنّ الدم ليقع من اللَّه بمكان قبل أن يقع الأرض فطيّبوا بها نفسا . وروى عنه أيضا أنّ لكم بكلّ صوفة من جلدها حسنة ، وبكلّ قطرة من دمها حسنة ، وأنّها لتوضع في الميزان فأبشروا ، وقد كانت الصحابة يبالغون في أثمان الهدى والأضاحي ، ويكرهون المماكسة فيها فإنّ أفضل ذلك أغلاه ثمنا وأنفسه عند أهله . روى أن عمر أهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك ، وقال : بل اهدها . وسرّ ذلك أنّ الجيّد القليل خير من الكثير الدون . فثلاث مائة دينار وإن كان قيمة ثلاثين بدنة وفيها تكثير اللحم ولكن ليس المقصود اللحم . بل المقصود تزكية النفس وتطهيرها عن صفة البخل وتزيينها بجمال التعظيم للَّه ف « لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولا دِماؤُها ولكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ » ، وذلك بمراعاة النفاسة في القيمة كثر العدد أم قلّ . واعلم أنّه ربما لاح من أسرار وضع الأضحيّة سنّة باقية هو أن يدوم بها التذكَّر لقصّة إبراهيم عليه السّلام وابتلائه بذبح ولده وقوّة صبره على تلك المحنة والبلاء المبين ، ثمّ يلاحظ من ذلك حلاوة ثمرة الصبر على المصائب والمكاره فيتأسّى الناس به في ذلك مع ما في نحر الأضحيّة من تطهير النفس عن رذيلة البخل واستعداد النفس بها للتقرّب إلى اللَّه تعالى . وباللَّه التوفيق . 53 - ومن كلام له عليه السّلام فَتَدَاكُّوا عَلَيَّ تَدَاكَّ الإِبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا - وقَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا وخُلِعَتْ مَثَانِيهَا - حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ - وقَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الأَمْرَ بَطْنَهُ وظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ - فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلَّا قِتَالُهُمْ - أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَني